جامع البيان في تفسير القرآن للإيجي

الإيجي محيي الدين القرن العاشر الهجري
Add Enterpreta Add Translation

page 499

حمٓ١

سورة الجاثية مكية

وهي سبع أو ست وثلاثون آية وأربع ركوعات

بسم الله الرحمن الرحيم

{ حم تنزيل[4556] الكتاب } ، إن كان حم اسما للسورة مبتدأ ، فلا بد من تقدير أي : تنزيل حم تنزيل الكتاب ، إذ السورة نفسها ليست بتنزيل ، فإن كان المراد من الكتاب السورة ، فيه إقامة الظاهر مقام المضمر ، كما تقول : شعر نابغة شعره ، وإن كان المراد القرآن فالمعنى على التشبيه ، أي : تنزيل حم كتنزيل سائر القرآن في البيان ، والهداية والإعجاز والحكمة ، { من الله العزيز الحكيم } ، وقيل : حم قسم[4557] وتنزيل صفته ، وجوابه قوله تعالى : { إن في السماوات والأرض للآيات للمؤمنين } .

تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ٢
إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ٣

{ إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين[4558] } ، كالكواكب والحيوان والمعادن .

وَفِي خَلۡقِكُمۡ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ٤

{ وفي خلقكم وما يبث } ، عطف على خلقكم ، { من دابة آيات لقوم يوقنون } ، من قرأ برفع " آيات " فمحمول على محل اسم إن ، ومن قرأ بنصبها فعلى لفظه .

وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزۡقٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ٥

{ واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق } ، أي : المطر ، فإنه سبب الرزق ، { فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح } جنوبا وشمالا وغيرهما ، { آيات لقوم يعقلون[4559] } ، في " آيات " قراءتان ، وعلى الوجهين عطف على معمولي عاملين مختلفين ، إلا أن تقول اختلاف عطف على في السماوات ، بتقدير : في لا أنه عطف على السماوات .

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ يُؤۡمِنُونَ٦

{ تلك } : الآيات ، { آيات الله } : دلائله ، { نتلوها عليك } ، حال عاملها معنى الإشارة ، { بالحق } ، متلبسين ، أو متلبسة به ، { فبأي حديث بعد الله } : أي بعد حديثه ، { وآياته } : دلائله أو كتابه ، فيكون العطف لمغايرة الوصفين ، أو هو كقولهم : أعجبني زيد وكرمه ، أي : أعجبني كرمه ، فمعنى بعد الله وآياته بعد آياته ، وتقديم اسم الله تعالى للتعظيم ، { يؤمنون[4560] }

وَيۡلٞ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٖ٧

{ ويل[4561] لكل أفاك أثيم } : كذاب كثير الإثم .

يَسۡمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَاۖ فَبَشِّرۡهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٖ٨

{ يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر } ، على كفره ، وثم لاستبعاد الإصرار بعد السماع ، { مستكبرا } ، عن الانقياد ، { كأن لم يسمعها } ، أي : كأنه ، والجملة حال ، أي : يصر مثل غير السامع ، { فبشره بعذاب أليم }

وَإِذَا عَلِمَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا شَيۡـًٔا ٱتَّخَذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ٩

{ وإذا علم من آياتنا شيئا } ، أي : علم شيئا أنه من الآيات ، { اتخذها هزوا[4562] } ، مقتضى الظاهر ضمير المذكر الراجع إلى شيئا فأنثه ؛ لأن الشيء ، للآية أو لأنه راجع إلى الآيات ، بمعنى إذا علم شيئا من جملة الآيات ، تجاوز في الاستهزاء إلى جميع الآيات إجمالا ، { أولئك لهم عذاب مهين }

مِّن وَرَآئِهِمۡ جَهَنَّمُۖ وَلَا يُغۡنِي عَنۡهُم مَّا كَسَبُواْ شَيۡـٔٗا وَلَا مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ١٠

{ من ورائهم[4563] } : من خلفهم ، { جهنم } فإنه بعد آجالهم ، أو من أمامهم ، { ولا يغني } : لا يدفع ، { عنهم ما كسبوا شيئا } ، من العذاب ، { ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء } ، أي : الأصنام ، { ولهم عذاب عظيم }

هَٰذَا هُدٗىۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ عَذَابٞ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٌ١١

{ هذا } : القرآن : { هدى } : كامل في الهداية ، { والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز } : هو أشد العذاب ، { أليم } .

۞ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡبَحۡرَ لِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ فِيهِ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ١٢

{ الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره } : بتسخيره ، { ولتبتغوا من فضله } ، بالتجارة وغيرها[4564] ، { ولعلكم تشكرون } ، هذه النعم .

وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ١٣

{ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض } ، مسخران لنا من حيث إنا ننتفع بهما ، { جميعا منه } ، منه حال من ما ، أي : كائنا من الله تعالى ، وجميعا حال من فاعل منه ، أو تقديره هي من الله جميعا ، { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون }

page 500

قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغۡفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجۡزِيَ قَوۡمَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ١٤

{ قل للذين آمنوا يغفروا } ، حذف المقول لدلالة الجواب عليه ، أي : قل لهم : اغفروا ، إن تقل لهم : اغفروا يغفروا أي : يعفوا ، { للذين لا يرجون أيام الله } ، لا يخافون وقائعه ونقمته ، كانوا في الابتداء مأمورين بالصبر على أذى المشركين ، ثم نزلت آية القتال ، وعن بعضهم : أنها نزلت في عمر رضي الله عنه ، حين هم أن يبطش من شتمه بمكة وأمر بالعفو ، فعلى هذا لم تكن الآية منسوخة ، { ليجزي قوما بما كانوا يكسبون } ، أي : اعفوا أنتم عنهم ليجزيهم الله تعالى سوء أعمالهم ، ويكون تنكير قوما للتحقير ، وقيل : المراد من القوم المؤمنون الذين صبروا حينئذ ، المراد بما كانوا يكسبون : المغفرة والعفو ، فالتنكير للتعظيم .

مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ١٥

{ من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون } ، فيجازيكم .

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ١٦

{ ولقد[4565] آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم } ، الحكمة ، أو فصل[4566] الخصومات ، { والنبوة } ، إذ فيهم كثير من الأنبياء ، { ورزقناهم من الطيبات } : كالمن والسلوى ، { وفضلناهم على العالمين } ، عالمي زمانهم .

وَءَاتَيۡنَٰهُم بَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِۖ فَمَا ٱخۡتَلَفُوٓاْ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ١٧

{ وآتيناهم بينات من الأمر } ، أدلة من أمر الدين ، { فما اختلفوا } : في الأمر ، { إلا من بعد ما جاءهم العلم } ، الموجب لزوال الخلاف ، { بغيا } : حسدا أو عداوة { بينهم } ، وعن بعض : معناه آتيناهم أدلة على مبعث محمد عليه السلام ، فما اختلفوا إلا بعد القرآن حسدا ، { إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون[4567] }

ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ١٨

{ ثم جعلناك } : يا محمد ، { على شريعة } : سنة وطريقة ، { من الأمر } : من الدين ، { فاتبعها ولا تتبع أهواء } : آراء ، { الذين لا يعلمون }

إِنَّهُمۡ لَن يُغۡنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۚ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۖ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُتَّقِينَ١٩

{ إنهم لن يغنوا } : يدفعوا ، { عنك من الله } : من عذابه ، { شيئا } ، إن اتبعتهم ، { وإن الظالمين بعضهم أولياء[4568] بعض والله ولي المتقين } ، لا توالهم ، فإنما يوالي الظالمين من هو مثلهم ، وأما المتقون فوليهم الله تعالى وهم موالوه .

هَٰذَا بَصَـٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ٢٠

{ هذا } : القرآن ، { بصائر للناس } : يبصرهم رشدهم ، { وهدى ورحمة لقوم يوقنون } : يطلبون اليقين .