تفسير ابن أبي زمنين

ابن أبي زمنين القرن الرابع الهجري
Add Enterpreta Add Translation

page 255

الٓرۚ كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ١

تفسير سورة إبراهيم

وهي مكية كلها إلا آيتين : قوله : { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا . . . } إلى قوله : { القرار } .

قوله : { الر كتاب أنزلناه إليك } أي : هذا كتاب أنزلناه إليك ؛ يعني : القرآن { لتخرج الناس } من أراد الله أن يهديه { من الظلمات إلى النور } يعني : من الضلالة إلى الهدى { بإذن ربهم } بأمر ربهم

{ إلى صراط } إلى طريق { العزيز } في ملكه ونقمته { الحميد } استحمد إلى خلقه ، واستوجب عليهم أن يحمدوه .

ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٖ شَدِيدٍ٢
ٱلَّذِينَ يَسۡتَحِبُّونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ٣

{ الذين يستحبون } يختارون { الحياة الدنيا على الآخرة } لا يقرون بالآخرة { ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا } يبتغون السبيل عوجا ؛ يعني : الشرك .

قال محمد : ( السبيل ) يذكر ويؤنث ، وكذلك ( الطريق ) فأما الزقاق فمذكر . ونصب ( عوجا ) على الحال .

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ٤

{ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } قال قتادة : يعني : بلغة قومه { ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء } بعد البيان .

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنۡ أَخۡرِجۡ قَوۡمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرۡهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ٥

{ وذكرهم بأيام الله } تفسير الكلبي : يذكرهم بنعم الله عليهم ، ويذكرهم كيف أهلك قوم نوح وعادا وثمود وغيرهم ، يقول : ذكرهم هذا وهذا { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } وهو المؤمن .

page 256

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ أَنجَىٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ٦
وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ٧

{ وإذ تأذن ربك } أي : أعلمكم { لئن شكرتم } آمنتم { لأزيدنكم } في النعم { ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } في الآخرة .

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكۡفُرُوٓاْ أَنتُمۡ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ٨
أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَقَالُوٓاْ إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَنَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ٩

{ ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم } أي : خبرهم { لا يعلمهم إلا الله } أي : لا يعلم كيف أهلكهم الله إلا الله .

{ فردوا أيديهم في أفواههم } أي : عضوا على أناملهم غيظا على الأنبياء ؛ كقوله : { وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ } [ آل عمران : 119 ] .

۞قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرَكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ قَالُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ١٠

{ قالت رسلهم } أي : قالت لهم رسلهم : { أفي الله شك فاطر السماوات والأرض } خالقهما ؛ أي : أنه ليس فيه شك ، وأنتم تقرون أنه خالق السماوات والأرض ، فكيف تعبدون غيره ؟ ! { يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم } أي : ليغفر لكم ذنوبكم ؛ إن آمنتم { ويؤخركم إلى أجل مسمى } يعني : إلى آجالهم بغير عذاب ؛ فلا يكون موتهم بالعذاب . { قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا } أي : لا يوحى إليكم .

{ فأتونا بسلطان مبين } بحجة بينة .

page 257

قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ١١

{ ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } بالنبوة ؛ فيوحي إليه .

وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ١٢

{ وقد هدانا سبلنا } يعنون : سبل الهدى { ولنصبرن على ما آذيتمونا } يعنون : قولهم للأنبياء : إنكم سحرة ، وإنكم كاذبون .

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ رَبُّهُمۡ لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ١٣

{ فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين } وهذا حيث أذن الله للرسل فدعوا عليهم ؛ فاستجاب لهم .

وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ١٤

{ ولنسكننكم الأرض من بعدهم } أي : من بعد إهلاكهم { ذلك لمن خاف مقامي } يعني : المقام بين يدي الله للحساب .

وَٱسۡتَفۡتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ١٥

{ واستفتحوا } يعني : الرسل ؛ أي : دعوا على قومهم ، حين استيقنوا أنهم لا يؤمنون . قال محمد : معنى ( استفتحوا ) : سألوا الله أن يفتح لهم ؛ أي : ينصرهم ، وكل نصر هو فتح ؛ وهو معنى قول يحيى .

{ وخاب } أي : خسر { كل جبار عنيد } الجبار : المتكبر ، والعنيد : المجانب للقصد .

مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ١٦

{ من ورائه جهنم } أي : من بعد هذا العذاب الذي كان في الدنيا { جهنم } أي : عذاب جهنم . وقد قيل : ( من ورائه ) أي : من أمامه .

{ ويسقى من ماء صديد } الصديد : ما يسيل من جلود أهل النار من القيح والدم .

يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٞ١٧

{ يتجرعه ولا يكاد يسيغه } من كراهيته له ، وهو يسيغه لابد له منه ، فتتقطع أمعاؤه . قال محمد : معنى ( يسيغه ) : يبتلعه .

{ ويأتيه الموت من كل مكان } وهي النار ، ولكن الله قضى عليهم ألا يموتوا ؛ هذا تفسير الحسن .

{ ومن ورائه عذاب غليظ } كقوله : { فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا } [ النبأ : 30 ] .

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ١٨

{ مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح[536] في يوم عاصف } يعني : مما عملوا من حسن على سييء في الآخرة ، قد جوزوا به في الدنيا .

page 258

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَأۡتِ بِخَلۡقٖ جَدِيدٖ١٩

{ ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق } أي : يصير الأمر إلى البعث والحساب والجنة والنار { إن يشأ يذهبكم } يستأصلكم بالعذاب { ويأت بخلق جديد } أي : آخرين . .

وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٖ٢٠

{ وما ذلك على الله بعزيز } أي : لا يشق عليه .