يقول الله جل وعلا : { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشأ إن ربك حكيم عليم } [ الأنعام : الآية 83 ] .
وفي هذا الحرف قراءتان سبعيتان : قرأه أربعة من السبعة : نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر : { نرفع درجات من نشأ } غير منون مضافا إلى ( من ) ، وقرأه الكوفيين – عاصم ، وحمزة ، والكسائي – { نرفع درجات من نشأ } بتنوين درجات ، وإدغام نون التنوين في الميم .
ومعنى الآية الكريمة : { وتلك حجتنا } اختلف العلماء في المشار إليه بقوله : { وتلك حجتنا } فعن مجاهد : أن الحجة المشار إليها بقوله : { وتلك حجتنا } أنها قول نبي الله إبراهيم : { وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا } [ الأنعام : آية 81 ] . قال : لما خوفوه أصنامهم ، وزعموا أنها تخبله وتستجلب له البرص ونحوه ، قال لهم : كيف أخاف أصناما لا تنفع ولا تضر ، وأنتم تشركون مع الله غيره ولا تخافونه ؟ قال مجاهد وغيره : هذه هي حجة الله التي آتاها إبراهيم . والظاهر أن الإشارة في قوله : { وتلك حجتنا } راجعة إلى المناظرة كلها ، من قوله : { فلما جن عليه الليل رءا كوكبا قال هذا ربي } [ الأنعام : آية 76 ] . كما جزم به غير واحد ، وهو الصواب ، أما عدم الخوف من الأصنام ، فهذا أمر حجته أعطيت لجماعة من الرسل ، ولم يخص بها إبراهيم ، ألا ترى أن قوم هود قالوا له : إن بعض آلهتهم اعتراه بسوء ، كما نص الله عليه في قوله : { إن يقول إلا اعتراك بعض ءالهتنا بسوء } [ هود : آية 54 ] . قولهم : { إن نقول إلا اعتراك بعض ءالهتنا بسوء } يعنون : أن بعض معبوداتهم مس نبي الله هودا بسوء ، حتى جعله مجنونا مختبلا ، يقول : اعبدوا الله ، اعبدوا الله ، اعبدوا الله . كأن هذا عندهم هذيان وجنون ، وأن آلهتهم خبلته ، حتى صار يقول هذا . فأجابهم نبي الله هود : { إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو ءاخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم } [ هود : الآيات 54 56 ] وقد بين الله في سورة الزمر ، أنهم خوفوا نبينا صلى الله عليه وسلم بآلهتهم ، ثم أمره أن يقول : إنها لا تنفع ولا تضر ، لا تكشف ضرا ولا تستجلب نفعا . وذلك في قوله : { أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه } [ الزمر : آية 36 ] يعني يهددونك بالأصنام أن تضرك كما خوفوا بها إبراهيم وهودا على الجميع صلوات الله وسلامه عليه . ثم إن الله أمر نبيه أن يبين أنها لا تنفع ولا تضر ، في قوله بعد الآية التي ذكرنا : { قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله } الآية . [ الزمر : آية 38 ] . وهذا مما يبين أن الحجة التي آتاها الله نبيه إبراهيم هي إفحامه الخصوم ، ومناظرته لهم جميعا ؛ ذلك أنهم كانوا يعبدون كواكب مسخرة ، ويعبدون أصناما أرضية ، وأجراما سماوية ، فقال لهم في الأجرام الأرضية : { أتعبدون ما تنحتون } [ الصافات : آية 95 ] { أف لكم ولما تعبدون من دون الله } [ الأنبياء : آية 67 ] { هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون } [ الشعراء : الآيتان 72 73 ] { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا } [ مريم : آية 42 ] هذا في الأجرام الأرضية ، وهي أصنامهم ، وقد أشار له في هذه الآيات بقوله : { وإذ قال إبراهيم لأبيه ءازر أتتخذ أصناما ءالهة إني أراك وقومك في ضلال مبين } [ الأنعام : آية 74 ] حيث تعبدون ما لا ينفع ولا يضر ، وتتركون عبادة الخالق الرازق النافع الضار . ثم ناظرهم في عبادتهم الأجرام السماوية ، فلما رأى كوكبا : { قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الأفلين } [ الأنعام : آية 76 ] فكأنه يتنزل لهم في المناظرة ويسلم لهم مقدمة باطلة ، هي مقدمة كفر ، يسلمها لهم على زعمهم الفاسد الكافر ؛ ليمكنه إفحامهم ، ويبين لهم أن الأفول صفة نقص محققة ، تنافي صفات الربوبية ، فاتصافه بالأفول ينافي كونه ربا ، كما بينه ، وكأنها نتيجة ترتبت على مقدمتين :
إحداهما : كون ذلك المزعوم معبودا ، كونه آفلا . وهذه في قوله : { فلما أفل } لأن أصل المعنى : رأى كوكبا فأفل { فلما أفل قال لا أحب الأفلين } بحذف الفاء وما عطفت عليه . فقوله { فلما أفل } تضمنت مقدمة معناها : هذا الجرم آفل .
ثم رتب المقدمة الأخرى : { لا أحب الأفلين } لا أحب أن أعبد من يتصف بصفة الأفول والغيبوبة ؛ لأنها صفة نقص ، تدل على النقص والتسخير ، فمن كان كذلك لا يستحق أن يكون ربا . فهذا نظر عقلي صحيح ، واستنتاج صحيح ، وقد تقرر عند عامة النظار أن الاستنتاج العقلي إذا كان على طريقه الصحيحة أنه أمر صحيح . وقالوا : نوه الله بشأنه حيث جعله حجة أضافها لنفسه ، وآتاها إبراهيم على قومه ، حيث قال : { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم } [ الأنعام : آية 83 ] .
ومعلوم أن النظر العقلي أنه محصور في أربعة أنواع ؛ لأن المستدل به : إما وجود ، وإما عدم . والمستدل عليه : إما وجود ، وإما عدم . فتضرب حالتي الدليل في حالتي المدلول ، اثنين باثنين : بأربعة . بسطها وتصطيحها : استنتاج وجود من وجود ، واستنتاج عدم من عدم ، استنتاج عدم من وجود ، واستنتاج وجود من عدم . هذا معروف .
مثال استنتاج الوجود من الوجود : هو استنتاج وجود خالق هذا الكون من وجود هذا الكون على هذه الأساليب الغربية العجيبة ، الدالة على أن له خالقا مدبرا هو الرب المعبود وحده ، كما قال تعالى : { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } [ آل عمران : آية 190 ] فبين أن وجود هذا الكون دليل على وجود صانعه ، فهو وجود يلزم منه عقلا وجود خالق مدبر ، هو الرب المعبود .
ومثال استنتاج العدم من العدم : قوله تعالى { لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا } [ الأنبياء : آية 22 ] فهنا : عدم فساد السماوات والأرض يستلزم عدم تعدد الآلهة . فهو عدم ينتج عدما ، كما في قوله : { لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا } فعدم الفساد المشاهد يلزمه عدم تعدد الآلهة .
وكذلك ربما يستنتج عدم من وجود – كما في هذه الآية – فإن أفول الكوكب صفة وجودية عاينوها بالحس فيه ، استنتج منها عدم الربوبية ، حيث قال : { لا أحب الأفلين } [ الأنعام : آية 76 ] .
وأما استنتاج الوجود من العدم : فهو معروف باستنتاج عدم النقيض من وجود نقيضه ، أو مساوي نقيضه ، كما هو معروف .
والشاهد أن نبي الله إبراهيم ناظر قومه مناظرة عقلية ، بين لهم فيها أن هذه المعبودات التي يزعمونها أربابا هي آفلة ، وهذه المقدمة – التي كون تلك المعبودات آفلة – مقدمة قطعية ؛ لأنها تدرك بالحواس ، فهم يشاهدون أفولها بأعينهم ، فهي مقدمة لا يمكن إنكارها . ثم رتب لهذه المقدمة المحسوسة مقدمة عقلية ضمها معها ، أشار لها بقوله { لا أحب الأفلين } هي أن الأفول صفة نقص لا شك فيها ، تدل على حدوث وتسخير ، وهذه تنافي صفات الربوبية ، فالآفل لا يمكن أن يكون ربا . ثم قال لهم مثل هذا في الشمس والقمر ، حتى ألقمهم الحجر . ثم بعد ذلك بين لهم معتقده ، وأظهر حقيقته ، وقال : { إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين } [ الأنعام : الآيتان 78 79 ] وكان الله ( جل وعلا ) أعطى إبراهيم حسن الحجج والمناظرة ، واللطف فيها . من ذلك أنه لما ناظر نمرود ، وهو الذي بعث إبراهيم في زمن ولايته ، وكان ملكا جبارا طاغيا ، نمرود بن كنعان بن سنجاري بن كوش بن سالم بن نوح ، الفاجر المعروف ، كما قال له : من ربك الذي تدعونا إليه ؟ { قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت } [ البقرة : آية 258 ] وكان نمرود جاهلا ، فأخذ رجلين ، أحدهما كان محكوما عليه بالقتل فأطلقه ، وأخذ آخر بريئا فقتله ، فقال : هذا كان حيا فأنا أمته ، وهذا كان سيموت الآن فأنا أحييته ! ! فلما أعطاه الله من الحجة وحسن المناظرة لم يقل له : هذه ليست الحياة التي أريد ، ولا الموت الذي أريد . بل ترك له هذا كله ، ولم يجبه بشيء منه ، وقال : { فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب } فزعموا في قصته أنه أولا أراد أن يكذب وأن يقول : أنا هو الذي آتي بها من المشرق ، فقل لربك يأتي بها من المغرب ! ! فنظر فإذا في المجلس رجال كبار السن ، يعلمون الشمس تطلع من المشرق ، يطلعها الله قبل أن يولد نمرود ، فخاف أن يكذبوه فيفتضح في المجلس ، فبهت الذي كفر . هذه المناظرات التي يفحم بها الخصوم ، كما في آية الأنعام هذه ، هي التي نوه الله بشأنها ، وأضافها إلى نفسه ، وقال : إنه آتاها إبراهيم ، معظما نفسه { وتلك حجتنا } تلك الحجة التي أفحم بها الخصوم حجتنا ، أضافها الله لنفسه تشريفا وإعظاما .
{ ءاتيناها } أي : أعطيناها { إبراهيم } ، فهمناه إياها ، وألهمناه إياها { على قومه } ، هذه الحجة يحتج بها على قومه الكفرة الذين يجادلونه ، كما قال : { وحاجه قومه } [ الأنعام : آية 80 ] حتى يفحمهم ويلقمهم الحجر .
ثم قال : { نرفع درجات من نشاء } [ الأنعام : آية 83 ] هذه الآية تدل على أن من علمه الله الحجج ، ومناظرات الخصوم التي يثبت بها التوحيد ، ويدفع بها شبه المبطلين ، أن هذا رفع من الله في درجاته ، حيث أتبع قوله : { حجتنا ءاتيناها إبراهيم } أتبعه بقوله : { نرفع درجات من نشاء } أي : كما رفعنا درجة إبراهيم ، بما آتيناه من تلك الحجة التي صدع بها بالحق ، وقهر بها الخصوم .
أما على قراءة الجمهور : { نرفع درجات من نشاء } بالإضافة ، فالدرجات : مفعول به ل{ نرفع } و{ من نشاء } مضاف إليه ما قبله . ومن رفعت درجاته فقد رفع ، كقوله : { رفيع الدرجات } وفي الحديث : " اللهم ارفع درجته " والدرجة : المرتبة والمنزلة ، فإن من رفعت درجته ومنزلته فقد رفع ، وعلى هذا فمعناه : نرفع رتب ومنازل من نشاء أن نرفع رتبته ومنزلته .
أما على قراءة الكوفيين – عاصم ، وحمزة ، والكسائي : { نرفع درجات من نشأ } ف{ من } الموصلة هي مفعول { نرفع } أي : نرفع من نشاء رفعه ، نرفعه درجات .
وفي إعراب { درجات } على هذه القراءة أوجه معروفة للعلماء :
أحدهما : أنها ما ناب عن المطلق ؛ لأن معنى نرفع من نشاء درجات أي : رفعات عالية ، فالدرجة في معنى الرفع ، فهي في معنى المفعول المطلق لا بلفظه .
وقوم قالوا : هي منصوبة بنزع الخافض . أي : نرفعه في درجات . إلى غير ذلك من الأعاريب .
ومفعول المشيئة محذوف ، ( نرفع درجات من نشاء رفع درجاته ) . أو : ( نرفع درجات من نشاء رفعه ) . فعلى الإضافة : فالتقدير : ( نرفع درجات من نشاء رفع درجاته ) . وعلى التنوين : فالتقدير : ( نرفع درجات من نشاء رفعه ) . هذا معناه .
{ إن ربك } جل وعلا { حكيم عليم } الحكيم في الاصطلاح : هو من يضع الأمور في مواضعها ، ويوقعها في مواقعها . فالله ( جل وعلا ) حكيم لا يضع أمرا إلا في موضعه ، ولا يوقعه إلا في موقعه ، ولا يأمر إلا بما فيه الخير ، ولا ينهى إلا عما فيه الشر ، ولا يعذب إلا من يستحق ، وهو ( جل وعلا ) ذو الحكمة البالغة ، له الحجة والحكمة البالغة . وأصل ( الحكيم ) : هو المتصف بالحكمة . وأصل ( الحكمة ) : ( فعلة ) من الحكم . وأصل مادة ( الحكم ) في لغة العرب : أصلها معناه ( المنع ) . تقول العرب : " حكمه وأحكمه " إذا منعه .
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم *** إني أخاف عليكم أن أغضبا
لنا في كل يوم من معد *** سباب أو قتال أو هجاء
فنحكم بالقوافي من هجانا *** ونضرب حين تختلط الدماء
هذا أصل ( الحكم ) : المنع ، ومنه : ( حكمة الدابة ) . لأنها تمنعها من الجري على غير مراد صاحبها . والحكمة : ( فعلة ) من ( الحكم ) بمعنى : المنع . وأظهر تفسيراتها : أنها العلم النافع . لأن العلم النافع هو الذي يحكم الأقوال والأفعال . أي : يمنعها أن يعتريها الخلل . فمن كان عنده العلم الكامل كان لا يضع الأمر إلا في موضعه ، ولا يوقعه إلا في موقعه ؛ لأن كل إخلال في الإحكام هو من الجهل بعاقبة الأمور ، فترى الرجل الحاذق القلب البصير يفعل الأمر يظن أنه في غاية الإحكام ، ثم ينكشف الغيب عن أن فيه هلاكه ، فيندم حيث لا ينفع الندم ، ويقول : ليتني لم أفعل ، ولو فعلت لكان كذا ! ! كما قال الشاعر :
ألام على لو ولو كنت عالما *** بأذناب لو لم تفتني أوائله
يقولون لي : لو فعلت كذا لكان خيرا ! ! أنا لو كنت عالما بما يصير إليه الأمر لفعلته من أول . فرب السماوات والأرض وحده لا يجري عليه : لو فعلت كذا لكان أحسن ؛ لأنه عالم بعواقب الأمور ، وما تصير إليه ، وعالم بما كان ، وما يكون ، فلا يضع أمرا إلا في موضعه ، ومحال عن أن ينكشف الغيب عن أن ذلك الأمر على خلاف الصواب ؛ لأنه عالم بعاقبة الأمر ، وما يؤول إليه ، كما بيناه مرارا .
والعليم : صيغة مبالغة ؛ لأن علم الله ( جل وعلا ) محيط بكل شيء ، يعلم خطرات القلوب ، وخائنة الأعين وما تخفي الصدور ، حتى قدمناه أنه من إحاطة علمه : يعلم المعدوم الذي سبق في علمه أنه لا يوجد ، هو عالم أن لو وجد كيف يكون ؛ لشدة إحاطة علمه بالموجودات والمعدومات . وقد بيناه في هذه السورة الكريمة ؛ لأن أهل النار لما عاينوا النار ، ورأوا الحقيقة ، وندموا ، تمنوا أن يردوا إلى دار الدنيا مرة أخرى ليصدقوا الرسل ، وردهم ذلك الذي تمنوه : الله عالم أنه لا يكون ، وقد صرح بأن ذلك الرد – الذي هو عالم أنه لا يكون – صرح بأنه عالم أن لو كان كيف يكون ، حيث قال : { ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بئايات ربنا ونكون من المؤمنين } [ الأنعام : آية 27 ] هذا الرد الذي تمنوه هو عالم أنه لن يكون ، ثم صرح بأنه عالم أن لو كان كيف يكون ، حيث قال بعده : { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون } [ الأنعام : آية 28 ] والمتخلفون عن غزوة تبوك لا يحضرونها أبدا ؛ لما سبق في علم الله من تثبيطهم عنها ، والله ثبطهم عنها بإرادته لحكمة { ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين } وخروجهم إلى غزوة تبوك ، الذي ثبطهم عنه ، وسبق في علمه أنه لا يكون ، صرح بأنه عالم أن لو كان كيف يكون ، حيث قال : { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة } الآية [ التوبة : الآيتان : 46 ، 47 ] . وأمثال هذا في القرآن كثيرة . الله ( جل وعلا ) محيط علمه بكل شيء . وفي اسميه : ( الحكيم ، العليم ) أكبر مدعاة للعباد أن يطيعوه ويتبعوا تشريعه ؛ لأن بحكمته يعلمون أنه لا يأمرهم إلا بما فيه الخير ، ولا ينهاهم إلا عما فيه الشر ، فلا يوقع لهم أمرا إلا في موقعه ، ولا يضعه إلا في موضعه ، وبإحاطة علمه : يعلمون أنه ليس هنالك غلط في ذلك الفعل ، ولا عاقبة تنكشف عن غير ما أراد ، بل هو في غاية الإحاطة والإحكام . وإذا كان من يأمرك عليم لا يخفى عليه شيء ، حكيم في غاية الإحكام ، لا يأمرك إلا بما فيه الخير ، ولا ينهاك إلا عما فيه الشر ، فإنه يحق لك أن تطيع وتمتثل .