سورة القصص
وهي مكية كلها
{ بسم الله الرحمن الرحيم } قوله : { طسم تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ } قد فسّرناه في طسم الشعراء .
سورة القصص
وهي مكية كلها
{ بسم الله الرحمن الرحيم } قوله : { طسم تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ } قد فسّرناه في طسم الشعراء .
قوله : { نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤمِنُونَ } أي : لقوم يصدّقون .
قوله : { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ } أي : بغى في الأرض[2790] ، [ يعني أرض مصر ][2791] { وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً } أي : فِرقاً . { يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ } أي : فيذبح طائفة ويعذّب طائفة ويستعبد طائفة ، يعني بني إسرائيل الذين كانوا بمصر في يد فرعون . والطائفة التي كان يذبح : الأبناء ، والطائفة التي كان يستحيي : النساء ، فلا يقتلهن . { إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ } أي : في الأرض بشركه وعمله السوء .
قوله : { وَنُرِيدُ } أي : كان يفعل هذا فرعون يومئذ ونحن نريد { أَن نَّمُنَّ عَلَى الذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ } يعني بني إسرائيل { وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً } أي : يقتدى بهم ، أي : أئمة في الدين[2792] . { وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ } أي : يرثون الأرض بعد فرعون وقومه ؛ ففعل الله ذلك بهم .
قال : { وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ } وهو تبع للكلام الأول : { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ } قال : { وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم } أي : من بني إسرائيل { مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وذلك أنه قيل لفرعون إنه يولد في هذا العام غلام يسلبك ملكك ؛ فتتبع أبناءهم يقتلهم ويستحيي نساءهم فلا يقتلهن حذراً مما قيل له[2793] .
قوله : { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى } وحي إلهام ، أي : قذف في قلبها ، وليس بوحي نبوّة . { أَن أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ } الطلب { فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ } أي : البحر { وَلاَ تَخَافِي } أي : الضّيعة { وَلاَ تَحْزَنِي } أن يُقتل { إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ } فجعلته في تابوت ، ثم قذفته في البحر .
{ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ } قال بعضهم ، لا أعلم ، إلا أنه بلغني أن الغسالات على النيل التقطته . قال : { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوَّاً وَحَزَناً } أي : ليكون لهم عدوّاً في دينهم وحزناً ، أي : ليحزنهم به . قال : { إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ } أي : مشركين .
قوله : { وَقَالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ } تقوله لفرعون ، تعني بذلك موسى ؛ أُلْقِيت عليه رحمتها حين أبصرته . { لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً } قال الله : { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أي : أن هلاكهم على يده وفي زمانه .
قوله : { وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً } أي : من كل شيء إلا من ذكر موسى ، أي : لا تذكر غيره . { إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } أي : لتُبَيّنُ لهم أنه ابنها من شدة وجدها { لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا } أي : بالإِيمان { لِتَكُونَ } أي : لكي تكون { مِنَ المُؤمِنِينَ } .
قوله : { وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ } أي : قالت أم موسى لأخت موسى : ( قُصِّيهِ ) أي : قُصِّي أثره . قال الله . { فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ } أي : عن ناحية من بعيد { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أنها أخته . ثم جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده . وقال مجاهد { فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ } أي : من بعيد .
قوله : { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ } جعل لا يؤتى بامرأة إلا لم يأخذ ثديها حتى ردّه الله إلى أمِّه . { فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ } أي : ألا أدلكم { عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ } أي : يضمّونه[2794] لكم فيرضعونه { وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ } .
قال الله : { فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ } أي : الذي قذف في قلبها : { إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ } قال : { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أي : جماعتهم لا يعلمون .
قوله : { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى } قال مجاهد : { بَلَغَ أَشُدَّهُ } : يعني ثلاثاً وثلاثين سنة[2795] ، { وَاسْتَوَى } يعني أربعين سنة . { آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً } أي : أعطيناه فهماً وعقلاً { وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ } .
قوله : { وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا } ذكر ابن عباس قال : دخل وسط النهار . وقال الحسن : يوم عيد لهم ، فهم في لهوهم ولعبهم . { فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هذَا مِن شِيعَتِهِ } أي : من بني إسرائيل . { وَهذَا مِنْ عَدُوِّهِ } أي : قبطي [ من قوم فرعون ][2796] { فَاسْتَغَاثَهُ الذِي مِنْ شِيعَتِهِ } أي : من جنسه { عَلَى الذِي مِنْ عَدُوِّهِ } . وكان القبطي سخّر الإِسرائيلي ليحمل حطباً لمطبخ فرعون فأبى فقاتله .
قال : { فَوَكَزَهُ مُوسَى } بعصاه[2797] ، ولم يتعمَّد قتله { فَقَضَى عَلَيْهِ } قال الحسن : ولم يكن يحلّ له قتل الكفار يومئذ في تلك الحال . كانت حال كف عن القتال .
وقال الكلبي : كان فرعون وقومه يستعبدون بني إسرائيل ، ويأخذونهم بالعمل ويتسخّرونهم . فمرّ موسى على رجل من بني إسرائيل قد تسخره رجل من أهل مصر ، فاستغاث بموسى ، فوكزه موسى فقضى عليه ولم يكن أمر بالقتال .
{ قَالَ } موسى : { هذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ } أي : بين العداوة .
ثم { قَالَ } موسى : { رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي } يعني قتله القبطي ، ولم يتعمّد قتله ، ولكنه تعمد وكزه فمات { فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ } .
{ قَالَ } موسى : { رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً } أي : عويناً { لِّلْمُجْرِمِينَ } أي : للمشركين . وقال بعضهم : أي : فلن أعين بعدها على فجْرَةٍ ؛ وقلَّ ما قالها رجل قط إلا ابتُلِي .
قوله : { فَأَصْبَحَ فِي المَدِينَةِ خَائِفاً } أي : من قتله النفس { يَتَرَقَّبُ } أي : أن يؤخذ .
ذكر عن الحسن عن علي رضي الله عنه أنه قال : البلاء موكّل بالنطق . [2798]
قوله : { فَإِذَا الذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ } أي : يستغيثه ، ويستنصره ويستصرخه واحد . { قَالَ لَهُ مُوسَى } أي : للإِسرائيلي { إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ } أي : بيّن الغواية .
ثم أدركت موسى الرقةُ عليه { فَلَمَّا أَن أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا } أي : بالقبطي { قَالَ } الإِسرائيلي . [ قال بعضهم ][2799] : وبلغنا أنه السامري ، فخلى السامري عن القبطي وقال : { يَا مُوسَى } الإِسرائيلي يقوله : { أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ } يعني قتالاً في الأرض { وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ }[2800] .
وذلك أن القبطي الآخر لما سمع قول الإِسرائيلي لموسى : { أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ } أفشى عليه . فأتمر الملأ من قوم فرعون أن يقتلوه . فبلغ ذلك مؤمنَ آل فرعون ، فجاء من أقصى المدينة يسعى . وهو الذي قال الله : { وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا المَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ } .