جهود القرافي في التفسير

القرافي القرن السابع الهجري
Add Enterpreta Add Translation

صفحة 1

بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ١

الاستعاذة

1- في الكتاب[1] : يتعوذ في غير الصلاة قبل القراءة إن شاء ، ولا يتعوذ أحد في المكتوبة[2] ويجوز في قيام رمضان . ولم يزل الناس يتعوذون فيه[3] ، خلافا للشافعي وأبي حنيفة .

لنا ما تقدم[4] في البسملة من النصوص وعمل المدينة . ( الذخيرة : 2/181 ) .

2- لفظ التعوذ عند مالك والشافعي وأبي حنيفة : " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " . وعند الثوري : " أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ، إنه هو السميع العليم " [5] . ( نفسه : 2/181 ) .

6- قال أبو هريرة : " سمعته عليه السلام يقول : " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج هي خداج هي خداج غير تمام " . قال أبو السائب مولى هشام ابن زهرة : يا أبا هريرة ، إني أحيانا أكون وراء الإمام ؟ قال : فغمز ذراعي ثم قال اقرأ بها في نفسك يا فارسي . قال : سمعته عليه السلام يقول : قال الله تبارك وتعالى : " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبد ما سأل . قال عليه السلام : اقرءوا – يقول العبد :

{ الحمد لله رب العالمين } يقول لله : حمدني عبدي . يقول العبد :

{ الرحمن الرحيم } يقول الله : أثنى على عبدي . يقول العبد :

{ ملك يوم الدين } يقول الله : مجدني عبدي . يقول العبد :

{ إياك نعبد وإياك نستعين } فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل . يقول العبد :

{ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } فهذه لعبدي ولعبدي ما سأل " وساق الحديث " . [6] ( الذخيرة : 2/177 ) .

البسملة

3- قال في الكتاب : لا يقرأ البسملة في المكتوبة سرا و لا جهرا ، إماما أو منفردا . وهو مخير في النافلة[19] ، قال صاحب الطراز[20] : " لا يختلف في جوازها في النافلة ، وإنها لا تفسد الفريضة " . وقال الشافعي وابن شهاب : " هي آية من الفاتحة " ، وللشافعي عدا الفاتحة قولان[21] ، وقال أحمد : " ليست آية إلا في النمل " [22] . ( الذخيرة : 2/176-181 ) .

لنا وجوه خمسة :

أحدها : ما في الصحيحين قال أنس : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان – رضوان الله عليهم جميعا – فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمان الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها[17] .

الثاني : ما في الموطأ : " قال أبو هريرة : سمعته عليه السلام يقول ، ( من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج هي خداج هي خداج غير تمام ) . قال أبو السائب مولى هشام بن زهرة : يا أبا هريرة إني أحيانا أكون وراء الإمام ؟ قال : فغمز ذراعي ثم قال : اقرأ بها في نفسك يا فارسي . قال : سمعته عليه السلام يقول : قال الله تبارك وتعالى : ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل . قال عليه السلام : اقرءوا- يقول العبد- : الحمد لله رب العالمين ، يقول الله مجدني عبدي ، يقول العبد : إياك نعبد وإياك نستعين ، فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، يقول العبد : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، فهذه لعبدي ولعبدي ما سأل " [18] ، وساق الحديث ؛ والقسمة ليست في أفعال الصلاة لعدم ذكرها ولا في غير الفاتحة من الأذكار ؛ فتعين أن يكون لفظ الصلاة استعمل مجازا في القراءة الواجبة ، إما من باب التعبير بالجزء عن الكل ، لأن الدعاء جزؤها ؛ أو بالتعبير بالكل عن الجزء لأن الفاتحة جزء الصلاة ، ولم يذكر البسملة فيها فليست منها فإن قيل الجواب عن هذا الحديث من وجهين :

الأول : الحقيقة الشرعية واللغوية ليستا مرادتين إجماعا ، فلم يبقى سوى المجاز ، وهو عندنا مجاز عن الحقيقة اللغوية التي هي الدعاء إلى قراءة مقسومة بنصفين وهذا أعم من كونه جملة الفاتحة أو بعضها ، فيحتاج إلى الترجيح- وهو معها- فإن بعضها أقرب إلى الحقيقة من كلها ، والأقرب إلى الحقيقة أرجح فيبقى البعض الآخر غير مذكور ، وهو المطلوب .

الثاني : أن الصلاة ليست مقسومة اتفاقا ، فيكون ثم إضمار تقديره : " قسمت بعض قراءة الصلاة " ونحن نقول : بموجبه ؛ و الجواب عن الأول أن التجوز عن الحقيقة الشرعية أولى لوجهين :

أحدها : أن كل من أطلق لفظه حمل على عرفه ، ولذلك حملنا قوله – عليه السلام- " لا يقبل الله صلاة بغير طهور " على الصلاة الشرعية .

ثانيها : أن التجوز عن الكل إلى الجزء أولى من الجزء إلى الكل لحصول الاستلزام في الأول دون الثاني ؛ وعلى هذا يكون استيعاب القراءة الواجبة أقرب إلى الحقيقة من بعضها .

وعن الثاني : أن المجاز أولى من الإضمار كما تقرر في علم الأصول .

الثالث : أن الفاءات هي الفاصلة بين الآي ، فلو كانت البسملة من الفاتحة لكانت الآيات ثمانية . وهو باطل لوجهين :

الأول : تسميتها في الكتاب والسنة بالسبع المثاني .

الثاني : أنه يلزم أن يكون قسم الله تعالى يكمل عند " مالك يوم الدين " [19] وليست كذلك .

الرابع : أن القول بما يفضي إلى التكرار ، وهو خلاف الأصل- وهو في الرحمان الرحيم- .

وأجاب بعضهم عن هذا السؤال بأن الأول : ثناء على الله بالرحمة في الفعل المبسمل عليه . والثاني : ثناء الله تعالى بالرحمة لكل مرحوم ، فلا تكرار .

الخامس : إجماع أهل المدينة ، فإن الصلاة تقام بينهم من عهده- عليه السلام- إلى زمن مالك مع الجمع العظيم الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب ، فنقلهم لذلك بالفعل كنقلهم له بالقول فيحصل العلم فلا يعارضه شيء من أخبار الآحاد . احتجوا بوجوه :

أحدها : إجماع الصحابة على كتبها في المصحف والإرسال به إلى البلاد احترازا للقرآن وضبطا له ، فتكون من القرآن ، ولذلك لم يكتبوها في أول " براءة " لم يثبت أنها منها .

الثاني : ما رواه النسائي عن نعيم المجمر قال : صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمان الرحيم ، ثم قرأ بأم القرآن ، وذكر الحديث ، وقال : " والذي نفسي بيده إني لأشبهكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم " [20] .

الثالث : ما في الترمذي عن ابن عباس قال : " كان عليه السلام يستفتح الصلاة بسم الله الرحمان الرحيم " [21] . والجواب عن الأول : أنها لما نزلت في النمل ، أمر – عليه السلام- لا يكتب كتابا[22] إلا ابتدئ بها فيه ، فجرى الصحابة – رضوان الله عليهم- على ذلك كما هو اليوم ، وبذلك روي عن ابن عباس أنه قال : قلت لعثمان : " ما بالكم كتبتم بسم الله الرحمان الرحيم وأسقطتموها من براءة ؟ فقال : " ما تحققت هل هي سورة على حيالها ؛ أم هي والأنفال سورة " ؟ [17] . وعن الثاني : أنه لم يخرجه أحد ممن اشترط الصحة ، وحديثه في الموطإ يوهن هذا الحديث . وعن الثالث : أنه ضعفه الترمذي . وأما قول مالك : " إن ذلك في النافلة واسع " فعل ذلك في غير النافلة ، وهي رواية ابن القاسم[18] في العتبية[19] أو في الفاتحة وغيرها ، وهو حكاية الباجي[20] عن العراقيين .

تنبيه : جمهور الصحابة يعتمدون على أن القراءة لا يثبت إلا بالتواتر ، والبسملة ليست متواترة فلا تكون قرآنا ، ويعتقدون أنه دليل قاطع ، وهو باطل ، لأن قولهم : القرآن لا يتبت إلا بالتواتر ، إن أخذوه كلية اندرجت فيها صورة النزاع ، فالخصم يمنع الكلية ، لاشتمالها على صورة النزاع ، أو جزئية لم تقد شيئ . إذ لعل صورة النزاع فيما بقي غير الجزئية ، ومما يوضح لك فساده : أن من زاد في القرآن ما ليس منه فهو كافر إجماعا ، وكذلك من نقص منه ما هو منه ، فكان يلزم تكفيرنا أو تكفير خصمنا ، وهو خلاف الإجماع ، فدل على أن القرآن ليس ملزوما للتواتر ، بل عند الخصم القرآن يثبت بالتواتر وبغير التواتر ، فمصادرته على ذلك لا تجوز ، لأنه يقول إن البسملة ليست متواترة ، وهي قرآن . ونحن أيضا نقول : هي غير متواترة ولا يكفر مثبتها من القرآن ، فدل ذلك على أننا غير جازمين بأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر .

4- أجمع الصحابة فيما أعلم على أنه لا يجوز أن يكتب فواتح السور بالمداد ، بل بصبغ آخر حذرا من أن يعتقد أنها من القرآن . [21] ( الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة ص : 276 ) .

5- إن الله تعالى عندنا في البسملة معناه الذات الموصوفة بصفات الكمال ونعوت الجلالة و{ الرحمان الرحيم } وصفان له سبحانه وتعالى باعتبار الخير والإحسان الصادرين عن قدرته ، فإن صفات الله تعالى منها سلبية نحو : الأزلي ، أي لا أول له . والصمد ، أي : لا جوف له . [22] ومنها ثبوتية قائمة بذاته وهي سبعة : العلم والإرادة والقدرة والحياة والكلام والسمع والبصر . ومنها فعلية خارجة عن ذاته تعالى ، يستحيل قيامها به ، نحو : الرزق والهبات والخلق والإحسان .

فتسميته : الرزاق الوهاب ، الخالق ، المحسن ، باعتبار أفعاله لا باعتبار صفة قديمة بذاته .

فالرحمان معناه : المحسن في الدنيا والآخرة لخلقه بفضله .

والرحيم معناه : المحسن في الآخرة خاصة لخلقه بفضله .

وكذلك يقال : يا رحمان الدنيا والآخرة ، ويا رحيم الآخرة . فالرحمان أبلغ من الرحيم لشموله الدارين . ( الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة ص : 139-140 ) .