التفسير الصحيح لبشير ياسين

بشير ياسين القرن الخامس عشر الهجري

صفحة 1

بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ١

الاستعاذة

فضائلها وحكمها

من فضائل الاستعاذة انها تدفع الوسوسة كما في قوله تعالى : { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم }[1] . فأمر الله تعالى ان يدفع الوسوسة بالالتجاء إليه والاستعاذة به .

ومن فضائلها انها تذهب الغضب ، روى الشيخان في صحيحيهما عن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال : " استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فغضب احدهما فاشتد غضبه حتى انتفخ وجهه وتغير ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد ، فانطلق إليه الرجل فأخبره بقول النبي صلى الله عليه وسلم وقال : تعوذ بالله من الشيطان . فقال أترى بي بأس ، أمجنون انا ؟ اذهب " [2] .

واللفظ للبخاري .

وقد أمر الله تعالى بالاستعاذة عند أول كل قراءة للقرآن الكريم فقال تعالى{ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم }[3] .

وهذا الأمر على الندب ولا يأثم تاركها وهو قول جمهور اهل العلم[4] .

والمراد من الشيطان : شياطين الإنس والجن . قال تعالى{ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم على بعض زخرف القول غرورا }[5] .

وروى الإمام احمد عن يزيد ، أنا المسعودي ، عن أبي عمرو الشامي ، عن عبيد بن الخشخاش ، عن ابي ذر قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فجلست غليه فقال : يا أبا ذر هل صليت ؟ قلت : لا . قال : قم فصل . قال : فقمت فصليت ثم أتيته فجلست إليه ، فقال لي : يا ابا ذر استعذ بالله من شر شياطين الإنس والجن . قال : قلت : يا رسول الله وهل للإنس من شياطين ؟ قال : نعم . . . الحديث[6] .

وقد صحح الألباني هذا الحديث بعد ان ذكر جزء منه[7] . ويشهد لبعضه الآية المتقدمة . وذكره ابن كثير من عدة طرق ثم قال : ومجموعهما يفيد قوته وصحته[8] .

كما تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان ومن همزه ونفخه ونفثه . روى الإمام احمد عن محمد بن الحسن بن انس ، ثنا جعفر يعني : ابن سليمان ، عن علي بن علي اليشكري ، عن ابي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل واستفتح صلاته وكبر قال : سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ، ثم يقول : لا إله إلا الله ثلاثا ، ثم يقول : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ، ثم يقول : الله اكبر ثلاثا ، ثم يقول : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه[9] .

وأخرجه أبو داود[10]وابن ماجة[11]من طريق عمرو بن مرة عن عاصم العنزي ، عن ابن جبير بن مطعم عن أبيه نحوه .

قال عمرو : همزه : الموته ، ونفثه : الشعر ، ونفخه : الكبر .

وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة[12]وحسنه مقبل الوادعي في تحقيقه لتفسير ابن كثير[13] .

ونقل القرطبي عن ابن ماجة قال : المؤته يعني : الجنون ، والنفث : نفخ الرجل من فيه من غير ان يخرج ريقه ، والكبر : التيه[14] .

ومعنى الشيطان : قال الطبري : والشيطان في كلام العرب كل متمرد من الجن والإنس والدواب وكل شئ . ثم استشهد بالآية السابقة ثم بالرواية الآتية[15] .

قال ابن وهب : أخبرني هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ركب برذونا فجعل يتبختر به فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترا فنزل عنه ؛ و قال : ما حملتوني إلا على شيطان ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي . ذكره ابن كثير وصحح إسناده[16] .

ومعنى الرجيم : قال ابن كثير : والرجيم فعيل بمعنى مفعول أي : انه مرجوم مطرود عن الخير كله ، كما قال تعالى : { ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين }[17] . وقال تعالى : { غنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد ليسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب }[18] وقال أيضا : { ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فاتبعه شهاب مبين }[19] . إلى غير ذلك من الآيات[20] .

سورة الفاتحة

فضائلها

أخرج مسلم بسنده عن ابن عباس ، قال : بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم . سمع نقيضا من فوقه . فرفع رأسه ، فقال : هذا باب من السماء فتح اليوم ، لم يفتح قط إلا اليوم ، فنزل منه ملك فقال : هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم . فسلم وقال : أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك . فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة ، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته[21] .

وأخرج البخاري بسنده عن أبي سعيد بن المعلى قال مر بي النبي صلى الله عليه وسلم و أنا أصلي فدعاني فلم آته حتى صليت ، ثم أتيت فقال ما منعك ان تأتي ، فقلت : كنت أصلي ، فقال ألم يقل الله : يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ، ثم قال : ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد فذهب النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج من المسجد فذكره فقال : الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته [22] .

وأخرج البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري قال : كنا في مسير لنا ، فنزلنا فجاءت جارية فقالت : إن سيد سليم وإن نفرنا غيب فهل منكم راق ؟ فقام معها رجل ما كنا نؤبنه برقية ، فرقاه فبرأ ، فأمر له بثلاثين شاة وسقانا لبنا فلما رجع قلنا له أكنت تحسن رقية أو كنت ترقي ؟ قال : لا ما رقيت إلا بأم الكتاب ، قلنا : لا تحدثوا شيئا حتى نأتي أو نسأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : وما كان يدريه أنها رقية اقسموا واضربوا لي بسهم [23] .

البسملة

كيفية قراءتها

أخرج البخاري في صحيحه بإسناده على قتادة قال : سئل انس كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : كانت مدا ، ثم قرأ : بسم الله الرحمن الرحيم ببسم الله ، ويمد بالرحمن ، ويمد بالرحيم[198] .

وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يقطع قراءته آية آية ومنها البسملة .

قال أبو داود : حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، حدثني ابي ، ثنا ابن جريج ، عن عبد الله بن ابي مليكة ، عن ام سلمة( انها )ذكرت ، او كلمة غيرها ، قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم{ بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، ملك يوم الدين }يقطع قراءته آية آية[199] .

وأخرجه أبو عمرو الداني من طريق ابي عبيد-وهو القاسم بن سلام-عن يحيى بن سعيد به ، وأخرجه أيضا من طريق محمد بن سعدان عن يحيى بن سعيد به وزيادة( ثم يقف )بعد كل آية ، ثم قال : ولهذا الحديث طرق كثيرة وهو أصل في هذا الباب[200]وفي زيادة قوله : ثم يقف بيان لمعنى التقطيع . وقال ابن الجزري : وهو حديث حسن وسنده صحيح[201] .

وأخرجه الحاكم من طريق حفص بن غياث عن ابن جريج به بلفظ : يقطعها حرفا حرفا . وصححه وسكت عنه الذهبي[202] .

فضائلها

أخرج مسلم بسنده عن أبي سعيد ، أن جبريل اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ! اشتكيت ؟ فقال : نعم ، قال : بسم الله أرقيك ، من كل شئ يؤذيك ، من شر كل نفس أو عين حاسد ، الله يشفيك . باسم الله أرقيك[203] .

قال الإمام أحمد : ثنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن عاصم ، عن أبي تميمة الهجيمي ، عمن كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم قال : كنت رديفه على حمار فعثر الحمار ، فقلت : تعس الشيطان ، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : لا تقل تعس الشيطان ، فإنك إذا قلت تعس الشيطان تعاظم الشيطان في نفسه وقال : صرعته بقوتي ، فإذا قلت باسم الله ، تصاغرت إليه نفسه حتى يكون أصغر من ذباب[204] .

وأخرجه الإمام احمد من طرق أخرى عن رديف النبي صلى الله عليه وسلم[205] . وذكره ابن كثير وقال : تفرد به احمد وهو إسناد جيد[206] .

وأخرجه النسائي[207] والحاكم من طريق خالد الحذاء عن ابي تميمة عن رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه ، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي[208] ، وصححه محقق عمل اليوم والليلة ، وصححه أيضا الشيخ الألباني[209] .

قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب فضائل القرآن : ثنا إسماعيل بن إبراهيم عن ، الليث ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : آية من كتاب الله أغفلها الناس{ بسم الله الرحمن الرحيم } .

ذكره الحافظ ابن كثير ثم قال : إسناده جيد[210] . وذكره الحافظ ابن حجر وحسنه ثم قال : أخرجه ابن مردويه عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن ناجيه عن خلاد بن أسلم . . . وليث هو ابن أبي سليم فيه مقال لكن الأثر يعتضد بما تقدم[211] .

وقد روى عن مجاهد : جعفر بن إياس بن أبي وحشية وتقدم ذكره عند طريق أبي بشر جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس .

نزولها

قال أبو داود : حدثنا قتيبة بن سعيد واحمد بن محمد المروزي وابن السرح ، قالوا : ثنا سفيان ، عن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، قال قتيبة( فيه ) : عن ابن عباس ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه{ بسم الله الرحمن الرحيم } .

وهذا لفظ ابن السرح[212] . وصححه ابن كثير[213] .

وأخرجه الواحدي[214] ، والحاكم من طريق سفيان بن عيينة به وصححه ، وقال الذهبي : أما هذا فثابت[215] .

وأخرجه البزار من طريق سفيان بن عيينة به[216] . قال الهيثمي : رواه البزار بإسنادين رجال احدهما رجال الصحيح[217] والإسناد على شرط الشيخين .

تفسيرها

قوله تعالى{ باسم الله }

قال التجيبي مختصر تفسير الطبري{ بسم الله }بمعنى : بذكر الله وتسمية أبدأ وأقرأ[218] .

قوله تعالى{ الرحمن الرحيم }

أخرج الشيخان بإسناديهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش ان رحمتي تغلب غضبي " . وفي رواية لمسلم : " إن رحمتي سبقت غضبي " [219] . واللفظان لمسلم .

واخرج مسلم أيضا بإسناده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن لله مائة رحمة ، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام ، فبها يتعاطفون ، وبها يتراحمون ، وبها تعطف الوحوش على ولدها ، وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة " [220] . وأخرجه البخاري بنحوه وزيادة قوله : " حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية ان تصيبه " [221] .

واخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد ، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ، ما قنط من جنته احد " [222] . وأخرجه البخاري بنحوه وأطول[223] .

والرحمن مشتق من الرحمة ، وهو قول الجمهور[224] .

والدليل ما أخرجه أحمد قال : ثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا هشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ أن أباه حدثه أنه دخل على عبد الرحمن بن عوف وهو مريض فقال له عبد الرحمن : وصلتك رحم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال الله عز وجل : أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمي فمن يصلها أصله ، ومن يقطعها أقطعه فأثابته ، أو قال من يبتها أبته[225] .

وأخرجه أيضا من حديث أبي هريرة بنحوه[226] . وصححه احمد شاكر والألباني[227] .

وأخرجه الحاكم من طريق يزيد بن هارون به ، وسكت عنه هو والذهبي[228] .

وأخرجه احمد[229] وأبو داود[230] والترمذي[231] والحاكم[232] كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن رداد الليثي عن عبد الرحمن بن عوف بنحوه .

قال الترمذي : حديث سفيان عن الزهري حديث صحيح . وصححه الحاكم ووافقه الذهبي .

والرحمن اسم من أسماء الله التي منع التسمي بها العباد .

كما روى الطبري عن الحسن فقال : حدثنا محمد بن بشار ، قال حدثنا حماد بن مسعدة ، عن عوف ، عن الحسن ، قال : " الرحمن " اسم ممنوع[233] .

وعوف هو ابن أبي جميلة الأعرابي ثقة وباقي رجاله ثقات أيضا فالإسناد صحيح إلى الحسن البصري .

وانظر الروايات عند قوله تعالى في سورة الفاتحة { الرحمن الرحيم } .

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ٢

قوله تعالى ( الحمد لله )

قال الشيخ المفسر محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله : لم يذكر لحمده هنا ظرفا مكانيا ولا زمانيا . وذكر في سورة الروم أن من ظروفه المكانية : السموات والأرض في قوله ( وله الحمد في السموات والأرض ) الآية[234] .

وذكر في سورة القصص أن من ظروفه الزمانية : الدنيا والآخرة في قوله ( وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى و الآخرة ) الآية[235] . وقال في أول سورة سبأ ( وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير )[236] [237] .

قال الطبري : حدثني علي بن الحسن الخراز ، قال : حدثنا مسلم بن عبد الرحمن الجرمي ، قال : حدثنا محمد بن مصعب القرقساني ، عن مبارك بم فضالة ، عن الحسن ، عن الأسود بن سريع : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس شئ أحب إليه الحمد ، من الله تعالى ، ولذلك أثنى على نفسه فقال ( الحمد لله ) .

ورجاله ثقات إلا مبارك بن فضالة صدوق ، والإسناد حسن . ورواية الحسن البصري عن الأسود بن سريع قيل إنها منقطعة [238] . ولكن صرح الحسن البصري بالسماع فيما نقله الضياء المقدسي[239] .

وقرر ذلك الإمام البيهقي[240] . إضافة إلى ذلك انه على شرط أرباب الصحاح كابن حبان[241] ، والحاكم ووافقه الذهبي[242] ، والضياء كما تقدم . وقد صححه الأستاذ أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري[243] .

قال الطبري : حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي ، قال أنبأنا ابن وهب ، قال حدثني عمر بن محمد ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه قال : أخبرني السلولي عن كعب ، قال : من قال " الحمد لله " فذلك ثناء على الله[244] .

أخرجه ابن أبي حاتم من طريق وهيب عن سهيل بن أبي صالح به[245] . ورجال إسناده الطبري ثقات إلا سهيل بن أبي صالح .

قال الحافظ ابن حجر : صدوق تغير حفظه بآخره روى له الجماعة ، ورواية البخاري له مقرونا وتعليقا[246] . وقد تكلم في روايته عن أبيه وأجاب عن ذلك محمد بن طاهر المقدسي ، بأن سماعه من أبيه صحيح[247] . وعلى هذا فالإسناد حسن إلى كعب . وقد رجح ابن كثير هذا التفسير[248] .

قوله تعالى ( رب العالمين )

أي رب السموات والسبع والأرضين ومن فيهن وما بينهن حيث بين الله تعالى ذلك مناظرة فرعون لموسى فقال تعالى ( قال فرعون وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما )[249] .

وأخرج الطبري عن بشير بن معاذ العقدي قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة ( رب العالمين ) قال : كل صنف عالم[250] .

وإسناده حسن .

الحمد لله

فضائلها

روى مسلم في صحيحه بإسناده عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الطهور شطر الإيمان ، والحمد لله تملأ الميزان ، وسبحان الله والحمد لله تملأن ( أو تملأ ) ما بين السموات والأرض . . . الحديث[251] .

قال الترمذي : حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي ، حدثنا موسى بن إبراهيم ابن كثير الأنصاري/قال سمعت طلحة بن خراش قال : سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أفضل الذكر لا إله إلا الله ، وأفضل الدعاء الحمد لله .

ثم قال : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم وقد روى علي بن المديني وغير واحد عن موسى بن إبراهيم هذا الحديث [252] وصححه الألباني[253] ، وأخرجه ابن أبي الدنيا[254] والخرائطي[255] وابن حبان [256] كلهم كم طريق موسى بن إبراهيم بن كثير به ، والحديث السابق الصحيح شاهد له .

قال أبو داود : حدثنا أبو توبة ، قال : زعم الوليد ، عن الأوزاعي ، عن قرة ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم " .

قال أبو داود : رواه يونس وعقيل وشعيب وسعيد بن عبد العزيز عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا[257] .

وأخرجه ابن أبي شيبة[258] ، والنسائي[259] ، وابن ماجه[260] ، وابن حبان[261] ، والدارقطني[262] ، والبيهقي[263] ، كلهم من طريق قرة به ونحوه .

وقال الدارقطني : تفرد به قرة عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، وأرسله غيره عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقرة ليس بقوي في الحديث ، ورواه صدقة عن محمد بن سعيد عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يصح الحديث ، وصدقة ومحمد بن سعيد ضعيفان والمرسل هو الصواب[264] . وكذا ضعفه الألباني[265] . وحسنه النووي ثم قال : وقد روي موصولا كما ذكرنا وروي مرسلا ورواية الموصول جيدة إسناد وإذا روي الحديث موصولا ومرسلا ، فالحكم للاتصال عند جمهور العلماء لأنها زيادة ثقة وهي مقبولة عند الجماهير[266] . وحسنه ابن الصلاح والعراقي وابن حجر[267] ، والسبكي وذكر تخريج البغوي وابن الصلاح من طريق الأوزاعي عن قرة به[268] ، وحسنه السيوطي[269] . والعجلوني وقال : ألف فيه السخاوي جزءا[270] .

ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ٣

قوله تعالى ( الرحمن الرحيم )

قال ابن كثير ( الرحمن الرحيم ) اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة ورحمن أشد مبالغة من رحيم .

أخرج مسلم بإسناده عن أبي هريرة مرفوعا في الحديث القدسي : " قسمت الصلاة بيني وبين عبادي نصفين . ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين . قال الله تعالى : حمدني عبدي . . . وإذا قال : الرحمن الرحيم . قال الله تعالى : أثنى علي عبدي . . . الحديث[271] .

وقد تقدم في البسملة ذكر بعض الروايات التي تتعلق ببيان قوله تعالى ( الرحمن الرحيم ) .

وقد بين الله تعالى سعة رحمته فقال ( رحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون )[272] .

مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ٤

قوله تعالى ( مالك يوم الدين )

بين الله عز وجل يوم الدين بأنه يوم الحساب كما في قوله تعالى ( وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله )[273] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبيه قال : ثنا محمود بن غيلان ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن حميد الأعرج في قول الله ( مالك يوم الدين ) قال : يوم الجزاء[274] .

ورجاله ثقات إلا الأعرج : لا بأس به وهو المفسر فإسناده صحيح إليه .

وروى البخاري عند تفسير هذه الآية معلقا عن مجاهد : بالدين : بالحساب ، مدينين : محاسبين[275] . ووصله عبد بن حميد من طريق أبي نعيم عن سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى ( بالدين ) . قال بالحساب . وقوله محاسبين ، وصله أيضا عبد بن حميد من طريق شبابة ، عن ورقاء ، عن ابن نجيح ، عن مجاهد به[276] . وكلا الإسناد ين صحيحان .

أخرج مسلم بإسناده عن أبي هريرة مرفوعا في الحديث القدسي المتقدم وفيه أنه قال . وإذا قال : مالك يوم الدين . قال : مجدني عبدي ( وقال مرة : فوض إلي عبدي )[277] .

وأخرج الشيخان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أخنع اسم عند الله يوم القيامة رجل تسمى بملك الأملاك " [278] .

قال الإمام أحمد : سألت أبا عمرو الشيباني عن أخنع اسم عند الله ؟ فقال : أوضع اسم عند الله[279] .

وذكر ابن كثير حديث الشيخين في التفسير[280] .

وقال أبو داود : حدثنا أحمد بن حنبل ، ثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، قال معمر : وربما ذكر ابن المسيب ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان يقرؤون ( مالك يوم الدين ) وأول من قرأها ( ملك يوم الدين ) مروان ، قال أبو داود : هذا أصح من حديث الزهري عن أنس ، والزهري عن سالم عن أبيه[281] .

أخرجه ابن أبي داود من طريق أبي المطرف وعن الزهري به ، دون ذكر ابن المسيب[282] . وذكر الترمذي أن عبد الرزاق رواه عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب مرفوعا به[283] .

وأخرجه حفص بن عمر الدوري من طريق سليمان التيمي عن الزهري عن سعيد بن المسيب والبراءة بن عازب مرفوعا به دون ذكر عثمان[284] .

وهذه القراءة ثابتة قرأ بها عاصم والكسائي [285] . وقد ذكر هذا الحديث ابن كثير من رواية ابن أبي داود ثم قال : مروان عنده علم بصحة ما قرأه لم يطلع عليه ابن شهاب[286] .

إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ٥

قوله تعالى ( إياك نعبد وإياك نستعين )

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله : قوله تعالى ( إياك نعبد ) أشار في هذه الآية الكريمة إلى تحقيق معنى لا إله إلا الله لن معناها مركب من أمرين : نفي وإثبات . فالنفي : خلع جميع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادات على الوجه المشروع ، وقد أشار إلى النفي من الإله إلا الله بتقديم المعمول الذي هو ( إياك ) ، وقد تقرر في الأصول ، في مبحث دليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة ، وفي المعاني في مبحث القصر : أن تقديم المعمول من صيغ الحصر ، وأشار إلى الإثبات منها بقوله ( نعبد ) وقد بين معناها المشار إليه هنا مفصلا في آيات أخر كقوله ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ) الآية[287] . فصرح بالإثبات منها بقوله ( فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون )[288] . وكقوله ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت )[289] فصرح بالإثبات بقوله ( أن اعبدوا الله ) وبالنفي : بقوله ( واجتنبوا الطاغوت )[290] . وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في وصيته لابن عباس : " وإذا استعنت فاستعن بالله . . . " [291] .

وأخرج مسلم بإسناده عن أبي هريرة مرفوعا في الحديث القدسي المتقدم : فإذا قال : إياك نعبد وإياك نستعين . قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، ثنا عبد الوهاب ، عن سعيد ، عن قتادة في قوله : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) قال : يأمركم ان تخلصوا له العبادة ، وأن تستعينوه على أمركم[292] .

ورجاله ثقات إلا الحسن وعبد الوهاب فصدوقان وعبد الوهاب هو ابن عطاء الخفاف صدوق ربما أخطأ ومن مدلسي المرتبة الثالثة الذين لا يقبل تدليسهم إلا إذا صرحوا بالسماع ولكن عبد الوهاب معروف بصحبة سعيد بن أبي عروة وكتب كتبه لأنه كان مستملي سعيد وروايته عن سعيد قديمة قبل الاختلاط[293] . وأما سعيد بن أبي عروة فثقة ولكنه مدلس إلا انه من المرتبة الثانية فلا يضر وخصوصا انه أثبت الناس في قتادة بل روى البخاري له في الصحيح في كتاب التفسير عن سعيد بن ابي عروبة عن قتادة[294] . وقد سئل ابن معين : أيما أحب إليك تفسير سعيد عن قتادة أو تفسير شيبان عن قتادة ؟ فقال : سعيد[295] . ونقل الذهبي عن أحمد بن حنبل قال : زعموا أن سعيد بن أبي عروبة قال : لم اكتب إلا تفسير قتادة ، وذلك أن أبا معشر كتب إلي ان اكتبه[296] . فالإسناد حسن إلى قتادة .

وقال الشيخ الشنقيطي : قوله تعالى ( وإياك نستعين ) أي لا نطلب العون إلا منك وحدك ، أن المر كله بيدك وحدك لا يملك أحد منه معك مثقال ذرة ، وإتيانه بقوله ( وإياك نستعين ) بعد قوله ( إياك نعبد ) فيه إشارة إلى انه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من يستحق العبادة ؛ لأن غيره ليس بيده الأمر ، وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبينا واضحا في آيات أخر كقوله ( فاعبده وتوكل عليه ) الآية[297] . وقوله ( فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت ) الآية[298] . وقوله ( رب المشرق و المغرب لا إله إ لا هو فاتخذه وكيلا )[299]وقوله ( قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا )[300] . إلى غير ذلك من الآيات[301] .

ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ٦

قوله تعالى ( اهدنا )

أي أرشدنا ووفقنا . قال الأدفوي( هدى )أرشد كما قال جل ثناؤه ( وأهدنا إلى سواء الصراط )[302] .

و( هدى ) : بين . كما قال جل ثناؤه ( وأما ثمود فهديناهم ) [303] .

و ( هدى ) : بمعنى ألهم . كما قال تبارك اسمه ( الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى )[304] . أي ألهمه مصلحته وقيل إتيان الأنثى .

و( هدى ) : بمعنى دعا . كما قال جل ثناؤه ( ولكل قوم هاد )[305] .

وأصل هذا كله : أرشد ، ويكون ( هدى ) : بمعنى وفق ومنه ( والله لا يهدي القوم الظالمين )[306] . لا

وقد علمنا الله تعالى كيفية الهداية إلى الصراط المستقيم بقوله تعالى ( ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم )[307] .

قوله تعالى ( الصراط المستقيم )

وهو : دين الإسلام . وقد بين الله تعالى ذلك في قوله ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا اول المسلمين )[308] . فقد ذكر الله عز وجل ان الصراط المستقيم هو دين إبراهيم كما في الآية الأولى ثم بين أن هذا الدين هو الإسلام كما في الآية الثانية ، وقد ثبت هذا التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم .

قال الإمام احمد : ثنا الحسن بن سوار أبو العلاء ، ثنا ليث يعني : ابن سعد ، عن معاوية بن صالح ان عبد الرحمن بن جبير حدثه عن أبيه عن النواس بن سمعان الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فذكر حديثا طويلا والشاهد فيه : والصراط : الإسلام[309] .

وأخرجه الإمام احمد[310] أيضا والترمذي[311] وحسنه ، والنسائي[312] ، كلهم من طريق خالد بن معدان عن جبير بن نفير به مختصرا ، وأخرجه الطبري[313] وابن أبي حاتم[314] والاجري[315] من طريق معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير به باختصار فذكروا الشاهد نفسه .

وذكره ابن كثير ثم قال : وهو إسناد حسن صحيح[316] . وصححه أيضا السيوطي[317] والألباني[318] . كما ثبت أيضا عن أبي العالية فيما اخرجه عبد الرزاق عن معمر عن عاصم عن أبي العالية[319] . وإسناده حسن .

صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ٧

قوله تعالى ( صراط الذين أنعمت عليهم )

والذين انعم الله عليهم هم : الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون ، قال الله تعالى ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا )[320] .

قوله تعالى ( غير المغضوب عليهم )

والمغضوب عليهم هم : اليهود . قال الله تعالى فيهم ( فباءوا بغضب على غضب )[321] . وقال أيضا ( قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل )[322] .

وثبت ذلك أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم .

قال الإمام أحمد : ثنا عبد الرزاق ، ثنا معمر ، عن بديل العقيلي ، أخبرني عبد الله بن شقيق أنه أخبره من سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى وهو على فرسه فسأله رجل من بني القين فقال يا رسول الله : من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء المغضوب عليهم وأشار إلى اليهود . قال : فمن هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الضالين يعني النصارى ، قال وجاءه رجل فقال : استشهد مولاك أو قال غلامك فلان قال : بل يجر إلى النار في عباءة غلها[323] . وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به وصححه أحمد شاكر[324] ، وذكر ابن كثير رواية ابن مردويه من طريق إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر مرفوعا مقتصرا على الشاهد[325] . وذكر الحافظ ابن حجر رواية ابن مردويه وحسن الإسناد[326] وأخرجه أحمد[327] والترمذي من طريق سماك بن حرب قال : سمعت عباد بن حبيش يحدث عن عدي ابن حاتم فذكره مرفوعا ومطولا ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب[328] . وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق سماك أيضا به[329] . ولكن الطبري أخرجه من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عدي مقتصرا على الشاهد[330] .

قوله تعالى ( ولا الضالين )

والضالون : هم النصارى كما قال تعالى ( ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا عن سواء السبيل )[331] .

وهؤلاء هم النصارى كما صرح بذلك الطبري [332] وابن كثير[333] ، بل قال ابن كثير : وأخص أوصاف النصارى الضلال . وأيضا فإن السياق يدل على أنهم النصارى لأن الآيات التي قبلها صريحة في النصارى قال تعالى ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح . . . )[334] . وثبت هذا التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بالضالين هم : النصارى . كما تقدم من حديث أبي ذر وعدي بن حاتم ، وقال ابن أبي حاتم بعد أن ساق حديث عدي : ولا أعلم بين المفسرين في هذا الحرف اختلافا[335] . وقال أبو الليث السمرقندي : وقد أجمع المفسرون أن المغضوب عليهم أراد به اليهود ، والضالين أراد به النصارى[336] .

ذكر آمين وفضلها

أخرج الشيخان بسنديهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، فقولوا آمين ، فمن وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه[1] .

وأخرج مسلم بسنده عن حطان بن عبد الله الرقاشي ، قال : صليت مع أبي موسى الأشعري صلاة ، فلما كان عند القعدة قال رجل من القوم : أقرت[2] الصلاة بالبر والزكاة ؟ قال : فلما قضى أبو موسى الصلاة وسلم انصرف ، فقال : أيكم القائل كلمة كذا وكذا ؟ قال : فأرم القوم[3] ، ثم قال : أيكم القائل كلمة كذا وكذا ؟ فأرم القوم فقال : لعلك يا حطان قلتها قال : ما قلتها ولقد رهبت أن تبكعني[4] ، بها فقال رجل من القوم أنا قلتها ، ولم أرد بها إلا الخير ، فقال أبو موسى : أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم ؟ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا ، فقال : إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ، ثم ليؤمكم أحدكم ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا قال : غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، فقولوا : آمين . يجبكم الله . . . . [5] .

قال الإمام أحمد ثنا علي بن عاصم ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عمر بن قيس ، عن محمد بن الأشعث ، عن عائشة قالت : بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ استأذن رجل من اليهود ، فأذن له فقال : السام عليك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وعليك قالت : فهممت أن أتكلم ، قالت : ثم دخل الثانية فقال مثل ذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وعليك قالت : ثم دخل الثالثة فقال السام عليك ، قالت : فقلت : بل السام عليكم وغضب الله إخوان القردة والخنازير ، أتحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لم يحيه به الله ؟ قالت : فنظر إلي فقال : مه إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش ، قالوا قولا فرددناه عليهم فلم يضرنا شيئا ولزمهم إلى يوم القيامة إنهم لا يحسدوننا على شئ كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها وعلى القبلة التي هدانا لها وضلوا عنها وعلى قولنا خلف الإمام آمين[6] .

أخرجه ابن ماجة من طريق سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن عائشة مرفوعا مقتصرا على الشاهد بلفظ : " ما حسدتكم اليهود على شئ ما حسدتكم على السلام والتأمين " [7] .

وصحح المنذري[8] البوصيري[9] إسناد ابن ماجة ، وذكر المنذري أن الطبراني رواه في المعجم الأوسط بإسناد حسن . وصححه مغلطاي[10] ، والألباني[11] .

وكلمة آمين ليست من القرآن الكريم .