تفسير ابن عرفة

ابن عرفة القرن التاسع الهجري

صفحة 1

بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ١

تفسير الاستعاذة

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم[1] :

[ 2و ] قال ابن عرفة : الاستعاذة استجارة والاستجارة إبعاد والإبعاد نفي ( والنفي )[2] متعلق بالأخص ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم فلا يلزم ( من )[3] الاستعاذة من هذا الشيطان المخصوص الاستعاذة من مطلق الشيطان .

وأجاب بأن قال : النعت على قسمين : نعت تخصيص ونعت لمجرد الذم ، فيقال إن هذا النعت مجرد الذم ( وكل )[4] شيطان مرجوم .

قال الإمام مالك في المدونة : لا يتعوذ في المكتوبة ( قبل القراءة )[5] ولكن يتعوذ في قيام رمضان[6] وإذا بدأ – وقال في المجموعة[7] في قوله تعالى : " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم " [8] – إن ذلك بعد أم القرآن ( إن )[9] قرأ في الصلاة .

قال اللخمي[10] : ( الشأن فيمن )[11] افتتح أن لا يتعوذ ورأى ذلك لأن الافتتاح بالتكبير ينوب عنه ويجزئ عنه .

قال ابن عرفة : وإذا نسي الاستعاذة فإن أطال القراءة أتمها ولم يعد وإن لم يكن أطال ففي رجوعه إلى الاستعاذة قولان . وكره له في العتبية[12] الجهر بالاستعاذة في قيام رمضان ورأى أن الأمر بالاستعاذة على الندب .

ابن رشد[13] : ووجه ما في المدونة الاتباع ، وخفف في العتبية[14] أيضا تعوذ القارئ إذا أخطأ في الصلاة لأن ( ذلك )[15] من الشيطان .

وحكى ( أبو عمرو الداني )[16] في ( بحار البيان )[17] [18] في كيفيته ثلاثة أوجه : ( إما أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، وإما أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، وإما أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم )[19] ( وحكي )[20] في كتاب ( الإقناع )[21] [22] أن الأولى أن تقول : أعوذ بالله القوي من الشيطان ( الغوي )[23] .

وقال الشاطبي[24] :

( وإذا أردت الدهر تقرأ فاستعذ جهارا من الشيطان بالله مسجلا

على ما أتى في النحل يسرا وإن تزد لربك تنزيها فلست مجهلا )[25]

وقد ذكروا لفظ الرسول ولم يرد ولو صح هذا النقل لم يبق مجملا[26]

فظاهره أن الآية مجملة ( وهو خطأ لأن المجمل عند الأصوليين هو اللفظ المحتمل معينين فصاعدا على التساوي ، وليست الآية كذلك بل هي عندهم من قبيل المطلق الذي يصدق بصورة )[27] .

قال : وعادتهم يجيبون عنه بأنه من قبيل الإجمال اللغوي لا الاصطلاحي .

( ثم قال )[28] :

وفيه خلاف في الأصول فروعه فلا تعد منها باسقا ومظللا[29]

ومراده بالأصول إما( الكتب المطولة )[30] وإما أصول الفقه .

وقوله الرجيم : هو بمعنى مرجوم فإن أريد المرجوم بالشهب فالنعت للتخصيص والبيان ، وإن أريد به أنه مرجوم باللعنة ، والمقت وعدم الرحمة فالنعت للتأكيد ، لأن كل شيطان كذلك .

قلت : وتقدم لابن عرفة ( في الختمة الثانية في عام سبعة وخمسين وسبع مائة )[31] ،

قال أبو البقاء[32] : الشيطان فيعال من شطن يشطن إذا بعد ، ويقال فيه : شاطن وشيطان وسمي بذلك كل متمرد لبعد ( غوره )[33] ( في الشر )[34] وقيل : هو ( فعلان )[35]من شاط يشيط إذا هلك[36] .

قال ابن عرفة : ورد هذا لمخالفة ( قاعدة )[37] الاشتقاق ، لأن الشيطان فيه النون وشاط لا نون فيه – والرجيم بمعنى مرجوم ( وقيل )[38] بمعنى فاعل أي يرجم غيره .

تفسير سورة الفاتحة[39]

اختلفوا فيها فقال ابن عباس[40] رضي الله عنهما وجماعة : إنها مكية[41] واحتج ( له )[42] ابن عطية بقوله تعالى في الحجر : " ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم " [43] . وهي مكية بإجماع[44] وفي حديث أبي بن كعب[45] " إنها السبع المثاني " [46] ،

ورده ابن عرفة بقوله تعالى : " والقرآن العظيم " [47] ولم يكن نزل ( حينئذ )[48] جميعه فلا بد أن يكون أوقع الماضي موضع المستقبل .

قال ابن عطية : ولا خلاف أن الصلاة ( فرض )[49] ( كان )[50] بمكة ، ولم يحفظ ( أنه كانت قط )[51] صلاة في الإسلام بغير الحمد لله رب العالمين[52] .

ورده ابن عرفة : بأن أبا حنيفة لم يشترط قراءة الفاتحة بل خير المصلي بأن يقرأ بما شاء فلعل ( ذلك )[53] لأنها لم تكن في أول الإسلام واجبة ولعل حديث : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب متأخر " [54] .

قال الإمام[55] : وذهب عطاء والزهري وجماعة إلى أنها مدنية ، وقيل إنها نزلت بمكة والمدينة ، وأبطله القاضي العماد[56] بأنه يجب عليه تحصيل الحاصل وهو محال .

أجاب ابن عرفة بأن التأكيد شائع في كلام العرب وليس فيه تحصيل الحاصل .

فإن قلت : يلزم عليه ( أن تكون )[57] الفاتحة في القرآن مرتين لتزولها مرتين وكان ( تكرر )[58] كما ( تكرر )[59] " فبأي آلاء ربكما تكذبان " [60] .

فإن ( قلنا )[61] : إنما ذلك إذا نزلت على أنها غير الأولى .

فقد ذكر الأصوليون أن الغيرين يصدقان على المثلين أما إذا نزلت على أنها هي الأولى بعينها فلا يلزم ذلك فيها .

زاد القاضي العماد في إبطال النزول بمكة والمدينة أنه يلزم منه أن يكون كلما نزل بمكة نزل بالمدينة مرة أخرى ، لأن جبريل عليه السلام كان ( يعرضه )[62] القرآن في كل سنة مرة ، وفي الآخرة مرتين فيكون ذلك إنزالا آخر وهذا لا يقوله أحد .

وقال : ولعلهم يعنون بنزولها مرتين ، أن جبريل نزل حين حولت القبلة فأخبره عليه الصلاة والسلام أن الفاتحة ركن في الصلاة كما كانت بمكة ، وأقرأه فيها قراءة لم ( يكن أقرأه بها ) [63] في مكة فظنوا[64] ذلك إنزالا وهو ضعيف .

تفسير البسملة

قال ابن رشد في البيان[193] ( في رسم نذر سنة )[194] : لم يختلف قول مالك[195] : إنّها لا تقرأ في الفريضة لا في أوّل الحمد ، ولا في ( أول )[196] السورة التي بعدها لأنها ليست آية منها . ( وليست )[197] من القرآن إلا في سورة النمل : وإنما ثبت في المصحف الاستفتاح بها .

قال : ويتحصل في قراءتها في أول الحمد في الفريضة أربعة ( وجوه )[198] :

قراءتها للشافعي - وكراهتها لمالك - واستحبابها لمحمد ابن مسلمة[199] - والرابع قراءتها سرّا استحبابا[200] - . وأما النافلة فلمالك فيها في الحمد قولان ، وله فيما عدا الحمد ثلاثة ، فله في هذه الرواية القراءة ، وله في رواية أشهب[137] عنه عدمها إلا أن يقرأ القرآن في صلاته عرضا ، وفي المدونة أنّه يخيّر -انتهى .

قال القاضي عماد الدين : ذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها ليست آية من الفاتحة ولا من أول كل سورة وذهب الشافعي وجماعة إلى أنها آية من الفاتحة وعنه في كونها آية من ( أول )[138] كل سورة قولان : ( ( فمن أصحابه من حمل القولين على أنها من القرآن في أول كل سورة ، ومنهم من حملها على أنها[139] هل هي آية برأسها في أول كل سورة أو هي مع كل آية من أول كل سورة آية ؟[140] .

ونقل السهيلي ) )[141] [142] في الروض الأنف[143] ( عن )[144] داود[145] وأبي حنيفة أنها آية مقترنة مع السورة[146] .

ابن عرفة : قيل البسملة آية من كل سورة .

فقال الغزالي في المستصفى[147] : معناه أنها آية مع كل سورة وليست جزءا من كل سورة .

وقال غيره : معناه أنها آية أي جزء من كل سورة .

وورد في الحديث عن عائشة رضي الله عنها : ( ما كنا نعلم تمام السورة إلا بالبسملة )[148] [149] فظاهره ( أنها )[150] تكرر إنزالها مع كل سورة مثل { فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }[151] ، وظاهر غيره من الأحاديث أنه لم يتكَرر فإذا قلنا : إنها مع أول كل سورة فكيف ( تصح )[152] قراءة ورش بإسقاطها . قال : لكن يجاب بما ( قال )[153] ابن الحاجب[154] بتعارض الشبهات : أي أن كل واحد من الخصمين يرى أن ما أتى به خصمه شبهة أعني دليلا باطلا وهما قويان فتعارضت الشبهات .

قال ابن عرفة : ولا بد من زيادة ضميمة أخرى وهي الإجماع على أنها قرآن من حيث الجملة ، فلذلك صح التعارض .

قال بعضهم : والنافي هنا دليله أقوى ، وظاهر كلام ابن عطية[155] في آخر سورة الحمد ( أنّ عدد آي السور قياسي لا سماعي )[156] [ 2ظ ] لأنّه قال : أجمع الناس على أنّ ( عدد )[157] آي الحمد سبع . ( ربّ )[158] العَالمين آية - الرّحْمَان الرحِيمِ آية - ( مَالِكِ يَوْمِ )[159] الدّينِ آية -نَسْتَعينُ آية – المستقيم آية - أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ آية - وَلاَ الضّالّينَ آية[160] .

ونص الغزالي ( في المستصفى )[161] على أنه مسموع[162] وكذلك قال الزمخشري في أول سورة البقرة في تفسير قوله : الم[163] .

قال الزمخشري : وذكر الزجاج أنه يفخم ( لاَمَهُ )[164] وعلى ذلك العرب كلهم وإطباقهم عليه دليل على أنهم ورثوه كابرا عن كابر[165] .

قال ابن عرفة : إنما يفخم في الرفع ، والنصب أما الخفض فلا .

قال ابن عرفة : وكان الفقيه أبو عبد الله محمد بن سعيد ( بن عثمان )[166] بن أيوب ( الهزميري )[167] يحكي عن علماء الشافعية بالمشرق أنهم يقسمون البسملة ثلاثة أقسام : قسم هي فيه آية في أول الفاتحة ، وقسم هي فيه بعض آية ، وذلك في ( سورة )[168] النمل[169] ، وقسم بعضها فيه آية ، وهو : { الرحمن الرَّحِيمِ } .

{ بِسْمِ اللهِ } :

إما متعلق بفعل أو اسم وقدّره الزمخشري ( في )[170] « بسم الله أقرأ وأتلو »[171] وقدره ابن عطية : بِسم الله أبتدئ[172] .

قال ( ابن عرفة )[173] : وكان الشيوخ يستصوبون تقدير الزمخشري ، فإنه يجعل ( قراءته )[174] من أولها إلى آخرها مصاحبة لاسم الله تعالى .

وقد قال الشيخ عز الدين[175] في قواعده[176] : في قول الإنسان عند الأكل { بِسْمِ اللهِ }[177] معناه : آكل باسم الله ، وليس معناه : أبدأ باسم الله ، ولهذا كانوا ينتقدون على الشاطبي[178] في قوله : في ( النّظم )[179] أولا » * وهلا قال « نظمت باسم الله ( في الذكر أولا » )[180] . ( حتى تكون التسمية مصاحبة له في جميع نظمه )[181] ؟[182]

فإن قلت : لِمَ قدر الفعل متأخرا ؟

فالجواب : ( إنّه إنما )[183] قدره كذلك ليفيد الاختصاص لأنهم كانوا يقولون : واللاّت والعزى ويبدؤون بآلهتهم ، قُدّم اسم الله هنا ( للتوجيه والحصر )[184] كما في إياك نعبد .

وابن أبي الربيع[185] وغيره كانوا يقولون : إنّما قدم بِسْمِ الله ( هنا )[186] للاهتمام به[187] .

قوله تعالى : { الرحمن الرَّحِيمِ }[188] :

إن قلت : لِمَ قدم الوصف بالرّحمان مع أنه أبلغ على الوصف بالرحيم فيلزم أن يكون تأكيدا للأقوى بالأضعف .

( فأجيب )[189] ( بوجهين )[190] :

- الأول : الرّحمان لما كان خاصا بالله تعالى جرى مجرى ( الأسماء )[191] الأعلام التي تلي العوامل فقدم على الرحيم .

- ( الثاني )[192] : إن الرّحمان دال على جلائل النعم والرّحيم على دقائقها . قاله الزمخشري .

قال ابن عرفة : وكان ( يسبق )[193] لنا تقريره بأنّهما يختلفان ( باعتبار )[194] المتعلق ، فالرحمة قسمان لأنّ الرحمة بالإنقاذ من الموت أشد من الرّحمة بإزالة شوكة ، فقد يرحم الإنسان عَدُوّهُ بالإنقاذ من الموت ولا تطيب نفسه أن يرحمه بإزالة شوكة تؤلمه في ( بدنه )[195] ( فتقديم )[196] الرّحمة الأُولى لا يستلزم هذه بوجه .

قلت : وقرر ابن عرفة لنا في الختمة الثانية السؤال المتقدم : بأن ثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص ( فيبدأ )[197] في الثبوت بالأعم ، ثم بالأخص وفي النفي على العكس ورَحمان أخص من رحيم .

وقرر لنا جوابه بأن الرحمان دال على كثير النّعم بالمطابقة وعلى دقائقها بالالتزام ودلالة المطابقة أقوى من دلالة الالتزام فذكر الرحيم بعده ليدل على دقائق النعم بالمطابقة .

وإليه أشار الزمخشري بقوله : والرحيم أتى به ( كالتّتمة )[198] ليتناول ما دق منها[199] .

ولما ( رأى )[200] ، وذكر أن الرّحْمَانَ أبلغ لكونه أكثر حروفا قال : وهو من الصفات الغالبة كالدّبران ( والعرب )[137] لم ( تستعمله )[138] في غير الله أما قول بني حنيفة[139] في ( مسيلمة )[140] الكذاب : رحمان اليَمامة . وقول شاعرهم :

وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا . . . ( فباب )[141] من تعنتهم في كفرهم[142] .

قال ابن عرفة : هو لا يحتاج إليه ، وكان ( يظهر )[143] لنا الجواب عنه بأن رَحْمانا في قولهم : رحمان اليمامة ( استعمل مضافا )[144] ورحمانا في البيت منكرا .

وأما الرحمان المعرّف بالألف واللام فخاص بالله لم يستعمل في غيره ( فانتفى )[145] السؤال .

وكذا نص إمام الحرمين[146] في الإرشاد[147] خلافا ( للفاسي )[148] في شرح الشاطبية[149] ، فإنه نص على أن المختصّ بالله مجموع الرّحْمَانِ الرّحِيم ونحوه في أسئلة[150] ابن السيد البطليوسي[151] .

قلت : ونقل لي بعضهم عن القاضي أبي عبد الله بن عبد السلام[152] أنه أجاب عن السؤال المتقدم بوجوه .

أحدها : الجواب المتقدم : أتى بالرحيم على سبيل التتمة ، وقد حصل الغرض بذكر الرّحْمَانِ وفائدته تحقق دخول ما يتوهم خروجه .

- الثاني : مراعاة الفواصل ، عند من يرى أنها من الفاتحة .

- الثالث : أن الرّحمان يستلزم الرّحيم لكنه ذكر ليدل عليه مطابقة .

قال : وأجاب ابن أبي الربيع في شرح الإيضاح[153] بأن الرّحمان كثر استعماله حتى عُومل معاملة العلم بخلاف الرّحيم فإنه لم يخرج عن كونه صفة .

قال : أو تقول إنها ليست للمبالغة .

وقول الزمخشري[154] : إن العرب لا تزيد حرفا إلا لمعنى ممنوع ، ( وسند )[155] المنع قولهم في حذر وبطر وأشر إنها أبلغ من حاذر وباطر وأشد .

قلت : وأجاب بعض النحاة المعاصرين بأن حذر ناب مناب محذور ، ومحذور أكثر حروفا من حاذر بخلاف حاذر ، فإنه لم ينب مناب شيء ( حسبما )[156] نص عليه ابن عصفور في ( مقربه )[157] في باب الأمثلة[158] .

قلت : وأجاب ابن عرفة : بأنّ ذلك فيما عدل فيه عن الأصل والقياس إلى غيره كحذر وحاذر فإن القياس في اسم الفاعل منه أن يكون على وزن فاعل ( فإنما )[159] عدل عن ذلك لمعنى وغرض زائد ، وهو إرادة المبالغة ، وأما الذي لم يعدل فيه عن الأصل كرحمان ورحيم فنقول الأكثر حروفا ( أبلغ )[160] ولهذا ( قرر )[161] القاضي العماد ( رحمان )[162] أبلغ . قال : ورحمان ورحيم كلاهما معدولان وحذر معه كذلك بخلاف حاذر فما عدل إلا للمبالغة .

واستشكل الغزالي ( في الإحياء )[163] قولهم : أَرْحَمُ الرّاحمِينَ مع أن الكفار في جهنم لم تصلهم رحمة بوجه ، وهنالك قال : ما في الإمكان ( أبدع )[164] مما كان . وانتقدها الناس عليه .

وأجاب[ 3و ] ابن عرفة : عن الإشكال بأن ذلك باعتبار مراعاة جميع الصفات لله تعالى لأن من صفاته -شديد العقاب - وذلك صادق بعذاب أهل النَار ونعيم أهل الجنة . فرحمته ( هي )[165] أشد الرحمة ، وعقابه هو أشد العقاب .

وعادتهم يخطئون الغزالي في هذه المسألة ، ويقولون : كل عذاب فالعقل يجوز أن يكون أشد منه في الوجود ، وكل نعيم فالعقل يجوز أن يكون هناك أحسن منه .

قال الزمخشري : فإن قلت ما معنى وصفه ( بالرحمة ومعناها العطف والحنو ومنه )[166] الرّحم لانعطافها على ما فيها . قلت : هو مجاز على إنعامه على عباده[167] . قال ابن عرفة : قالوا كل مجاز لا بد له من حقيقة إلا هذا فإن الرحمة هي العطف ( والحنو )[168] ، وذلك ( ما هو )[169] حقيقته إلا في الأجسام وتقرر أن غير الله لا يطلق عليه اسم الرحمان فهو مجاز لا حقيقة له .

وتكلم ابن عطية هنا في الاسم هل هو عين المسمى أو غيره[170] ؟

قال الفخر ابن الخطيب في نهاية العقول[171] : المشهور عن أصحابنا أنّ الاسم هو المسمى ، وعن المعتزلة أنه التسمية ، وعن الغزالي أنه مغاير لهما[172] ، والناس طوّلوا في هذا وهو عندي ( فضول )[173] لأن البحث عن ذلك مسبوق بتصور ماهية الاسم وماهية المسمى ، فالاسم هو الاسم الدال بالوضع لمعنى من غير زمان والمسمى هو وضع ذلك اللفظ بإزائه ، فقد يكون اللفظ غير المسمى لعلمنا أن لفظ الجواز مغاير لحقيقة ( الجواز )[174] ، وقد يكون نفسه لأن لفظ الاسم اسم ( للفظ )[175] الدال على المعنى المجرد ( عن )[176] الزمان ، ومن جملة تلك الألفاظ ( لفظ )[177] الاسم ، فيكون الاسم اسما لنفسه من حيث هو اسم . وقال غيره : إنّ السؤال ( سفسطة )[178] .

وقال الآمدي[179] ( في أبكار الأفكار )[180] [181] ، وهو أحسن من تكلم عليه لأن المسألة لها تعلق باللغة ( وتعلق بأصول الدين )[182] أما اللغة فمن حيث إطلاق لفظ ( الاسم )[183] هل المراد به الذات فيكون الاسم ( هو )[184] المسمى أو اللفظ الدال عليه ك { سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى }[185] [186] ؟ أما تعلقها بأصول الدين فهو ( هل )[187] المعقول ( من الذات )[188] ( منها )[189] وحدها أو منها مع اسمها ( أم لا )[190] ؟ فإن كان ( المعقول )[191] منهما واحدا كان الاسم هو المسمى كالعالم والقادر .

وقال ابن عرفة : والصواب أن المعقول من الذات من حيث اتصالها بالصفة غير المعقول منها مجردة عن تلك الصفة ، ( فإنا )[192] إذا فهمنا من لفظ العالم الذات من حيث اتصافها بالعلم استحال اتصافها بالجهل ، بخلاف قولنا : « إن المعقول هو الذات القابلة ( للاتصاف )[193] بالعلم وبضده ولا شك أن المعقولين متغايران » .

وانظر كلام الآمدي ، فهو طويل نقلته بكامله في آخر سورة الحشر[194] وانظر مختصر ابن عرفة في فصل ( الحقيقة )[195] [196] وما قيدته أنا في أواخر مسلم[197] على حديث ( إن لله )[198] تسعا وتسعين اسما مائة إلا واحد من أحصاها دخل الجنة[199] .

قلت : وقال ابن عرفة مرة أخرى : منهم من قال : تارة يراد بالاسم المسمى مثل : زيد عاقل ، وتارة يراد به التسمية : كزيد ( وزنه فعل )[200] ، ومنهم من قال : يراد به المسمى : كزيد قادر ، إذا أردت الذات . وتارة يراد به الصفة ، فقادر موضوع لأن يولد به القدرة ، وهو صفة من صفات الذات ، والله أعلم بالصواب .