البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي

أبو حيان القرن الثامن الهجري

صفحة 585

عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ١

سورة عبس

هذه السورة مكية . وسبب نزولها مجيء ابن أم مكتوم إليه صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكر أهل الحديث وأهل التفسير قصته .

ومناسبتها لما قبلها :أنه لما ذكر : { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَهَا } ، ذكر في هذه من ينفعه الإنذار ومن لم ينفعه الإنذار ، وهم الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يناجيهم في أمر الإسلام : عتبة بن ربيعة وأبو جهل وأبي وأمية ، ويدعوهم إليه .

وقرأ الجمهور ؛ { عبس } مخففاً ، { أن } بهمزة واحدة ؛ وزيد بن علي : بشد الباء ؛ وهو والحسن وأبو عمران الجوني وعيسى : أآن بهمزة ومدة بعدها ؛ وبعض القراء : بهمزتين محققتين ، والهمزة في هاتين القراءتين للاستفهام ، وفيهما يقف على تولى .

والمعنى : ألأن جاءه كاد كذا .

وجاء بضمير الغائب في { عبس وتولى } إجلالاً له عليه الصلاة والسلام ، ولطفاً به أن يخاطبه لما في المشافهة بتاء الخطاب مما لا يخفى .

أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ٢

{ أَن جَاءهُ } : مفعول من أجله ، أي لأن جاءه ، ويتعلق بتولي على مختار البصريين في الأعمال ، وبعبس على مختار أهل الكوفة .

وجاء لفظ { الأعمى } إشعاراً بما يناسب من الرفق به والصغو لما يقصده ، ولابن عطية هنا كلام أضربت عنه صفحاً .

وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ٣

والضمير في { لعله } عائد على { الأعمى } ، أي يتطهر بما يتلقن من العلم ، أو { يذكر } : أي يتعظ ، { فتنفعه } ذكراك ، أي موعظتك ، والظاهر مصب { يدريك } على جملة الترجي ، فالمعنى : لا تدري ما هو مترجى منه من تزك أو تذكر .

وقيل : المعنى وما يطلعك على أمره وعقبى حاله .

ثم ابتدأ القول : { لعله يزكى } : أي تنمو بركته ويتطهر لله .

وقال الزمخشري : وقيل : الضمير في { لعله } للكافر ، يعني أنك طمعت في أن يتزكى بالإسلام ، أو يذكر فتقربه الذكرى إلى قبول الحق ، وما يدريك أن ما طمعت فيه كائن . انتهى .

وهذا قول ينزه عنه حمل القرآن عليه .

أَوۡ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰٓ٤

وقرأ الجمهور : { أو يذكر } بشد الذال والكاف ، وأصله يتذكر فأدغم ؛ والأعرج وعاصم في رواية : أو يذكر ، بسكون الذال وضم الكاف .

وقرأ الجمهور : { فتنفعه } ، برفع العين عطفاً على { أو يذكر } ؛ وعاصم في المشهور ، والأعرج وأبو حيوة أبي عبلة والزعفراني : بنصبهما .

قال ابن عطية : في جواب التمني ، لأن قوله : { أو يذكر } في حكم قوله { لعله يزكى } . انتهى .

وهذا ليس تمنياً ، إنما هو ترج وفرق بين الترجي والتمني .

وقال الزمخشري : وبالنصب جواباً للعل ، كقوله : { فأطلع إلى إله موسى } انتهى .

والترجي عند البصريين لا جواب له ، فينصب بإضمار أن بعد الفاء .

وأما الكوفيون فيقولون : ينصب في جواب الترجي ، وقد تقدم لنا الكلام على ذلك في قوله : { فأطلع إلى إله موسى } في قراءة حفص ، ووجهنا مذهب البصريين في نصب المضارع .

أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ٥

{ أما من استغنى } : ظاهره من كان ذا ثروة وغنى .

وقال الكلبي : عن الله .

وقيل : عن الإيمان بالله .

قيل : وكونه بمعنى الثروة لا يليق بمنصب النبوة ، ويدل على ذلك أنه لو كان من الثروة لكان المقابل : وأما من جاءك فقيراً حقيراً .

فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ٦

تصدّى : تعرّض ، قال الراعي :

تصدى لو ضاح كأن جبينه *** سراج الدجى يجيء إليه الأساور

وأصله : تصدّد من الصدد ، وهو ما استقبلك وصار قبالتك ، يقال : داري صدد داره : أي قبالتها . وقيل : من الصدى ، وهو العطش . وقيل : من الصدى ، وهو الصوت الذي تسمعه إذا تكلمت من بعد في خلاء كالجبل ، والمصاداة : المعارضة .

وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة والأعرج وعيسى والأعمش وجمهور السبعة : { تصدى } بخف الصاد ، وأصله يتصدى فحذف ؛ والحرميان : بشدها ، أدغم التاء في الصاد ؛ وأبو جعفر : تصدى ، بضم التاء وتخفيف الصاد ، أي يصدك حرصك على إسلامه .

يقال : تصدى الرجل وصديته ، وهذا المستغنى هو الوليد ، أو أمية ، أو عتبة وشيبة ، أو أمية وجميع المذكورين في سبب النزول ، أقوال .

قال القرطبي : وهذا كله غلط من المفسرين ، لأنه أمية والوليد كانا بمكة ، وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما ، وماتا كافرين ، أحدهما قبل الهجرة والآخر في بدر ، ولم يقصد قط أمية المدينة ، ولا حضر معه مفرداً ولا مع أحد . انتهى .

والغلط من القرطبي ، كيف ينفي حضور ابن أم مكتوم معهما ؟ وهو وهم منه ، وكلهم من قريش ، وكان ابن أم مكتوم بها : والسورة كلها مكية بالإجماع .

وكيف يقول : وابن أم مكتوم بالمدينة ؟ كان أولاً بمكة ، ثم هاجر إلى المدينة ، وكانوا جميعهم بمكة حين نزول هذه الآية .

وابن أم مكتوم هو عبد الله بن سرح بن مالك بن ربيعة الفهري ، من بني عامر بن لؤي ، وأم مكتوم أم أبيه عاتكة ، وهو ابن خال خديجة رضي الله عنها .

وَمَا عَلَيۡكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ٧

{ وما عليك ألا يزكى } : تحقير لأمر الكافر وحض على الإعراض عنه وترك الاهتمام به ، أي : وأي شيء عليك في كونه لا يفلح ولا يتطهر من دنس الكفر ؟

وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ٨

{ وأما من جاءك يسعى } : أي يمشي بسرعة في أمر دينه ،

وَهُوَ يَخۡشَىٰ٩

{ وهو يخشى } : أي يخاف الله ، أو يخاف الكفار وأذاهم ، أو يخاف العثار والسقوط لكونه أعمى ، وقد جاء بلا قائد يقوده .

فَأَنتَ عَنۡهُ تَلَهَّىٰ١٠

{ تلهى } : تشتغل ، يقال : لها عن الشيء يلهى ، إذا اشتغل عنه .

قيل : وليس من اللهو الذي هو من ذوات الواو . انتهى .

ويمكن أن يكون منه ، لأن ما يبنى على فعل من ذوات الواو وتنقلب واوه ياء لكسرة ما قبلها ، نحو : شقي يشقى ، فإن كان مصدره جاء بالياء ، فيكون من مادة غير مادة اللهو .

وقرأ الجمهور : { تلهى } ؛ والبزي عن ابن كثير : عنه وتلهى ، بإدغام تاء المضارعة في تاء تفعل ؛ وأبو جعفر : بضمها مبنياً للمفعول ، أي يشغلك دعاء الكافر للإسلام ؛ وطلحة : بتاءين ؛ وعنه بتاء واحدة وسكون اللام .

كَلَّآ إِنَّهَا تَذۡكِرَةٞ١١

{ كلا إنها } : أي سورة القرآن والآيات ، { تذكرة } : عظة ينتفع بها .

فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ١٢

{ فمن شاء ذكره } : أي فمن شاء أن يذكر هذه الموعظة ذكره ، أتى بالضمير مذكراً لأن التذكرة هي الذكر ، وهي جملة معترضة تتضمن الوعد والوعيد ، { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً } واعترضت بين تذكرة وبين صفته ، أي تذكرة : كائنة .

فِي صُحُفٖ مُّكَرَّمَةٖ١٣

{ في صحف } ، قيل : اللوح المحفوظ ، وقيل : صحف الأولياء المنزلة ، وقيل : صحف المسلمين ، فيكون إخباراً بمغيب ، إذ لم يكتب القرآن في صحف زمان ، كونه عليه السلام بمكة ينزل عليه القرآن ، مكرمة عند الله ، ومرفوعة في السماء السابعة ، قاله يحيى بن سلام ، أو مرفوعة عن الشبه والتناقض ، أو مرفوعة المقدار .

مَّرۡفُوعَةٖ مُّطَهَّرَةِۭ١٤

{ مطهرة } : أي منزهة عن كل دنس ، قاله الحسن .

وقال أيضاً : مطهرة من أن تنزل على المشركين .

وقال الزمخشري : منزهة عن أيدي الشياطين ، لا تمسها إلا أيدي ملائكة مطهرة .

بِأَيۡدِي سَفَرَةٖ١٥

السفرة : الكتبة ، الواحد سافر ، وسفرت المرأة : كشفت النقاب ، وسفرت بين القوم أسفر سفارة : أصلحت بينهم ، قاله الفراء ، الواحد سفير ، والجمع سفراء . قال الشاعر :

فما أدع السفارة بين قومي *** وما أسعى بغش إن مشيت

{ سفرة } : كتبة ينسخون الكتب من اللوح المحفوظ . انتهى .

{ بأيدي سفرة } ، قال ابن عباس : هم الملائكة لأنهم كتبة .

وقال أيضاً : لأنهم يسفرون بين الله تعالى وأنبيائه .

وقال قتادة : هم القراء ، وواحد السفرة سافر .

وقال وهب : هم الصحابة ، لأن بعضهم يسفر إلى بعض في الخير والتعليم والعلم .

كِرَامِۭ بَرَرَةٖ١٦
قُتِلَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَآ أَكۡفَرَهُۥ١٧

{ قتل الإنسان ما أكفره } ، قيل : نزلت في عتبة بن أبي لهب ، غاضب أباه فأسلم ، ثم استصلحه أبوه وأعطاه مالاً وجهزه إلى الشام ، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كافر برب النجم إذا هوى .

وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : « اللهم ابعث عليه كلبك يأكله » فلما انتهى إلى الغاضرة ذكر الدعاء ، فجعل لمن معه ألف دينار إن أصبح حياً ، فجعلوه وسط الرفقة والمتاع حوله .

فأقبل الأسد إلى الرجال ووثب ، فإذا هو فوقه فمزقه ، فكان أبوه يندبه ويبكي عليه ، وقال : ما قال محمد شيئاً قط إلا كان ، والآية ، وإن نزلت في مخصوص ، فالإنسان يراد به الكافر .

وقتل دعاء عليه ، والقتل أعظم شدائد الدنيا .

{ ما أكفره } ، الظاهر أنه تعجب من إفراط كفره ، والتعجب بالنسبة للمخلوقين ، إذ هو مستحيل في حق الله تعالى ، أي هو ممن يقال فيه ما أكفره .

وقيل : ما استفهام توقيف ، أي : أي شيء أكفره ؟ أي جعله كافراً ، بمعنى لأي شيء يسوغ له أن يكفر .

مِنۡ أَيِّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥ١٨

{ من أي شيء خلقه } : استفهام على معنى التقرير على حقارة ما خلق منه .

مِن نُّطۡفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ١٩

ثم بين ذلك الشيء الذي خلق منه فقال : { من نطفة خلقه فقدره } : أي فهيأه لما يصلح له .

وقال ابن عباس : أي في بطن أمه ، وعنه قدر أعضاءه ، وحسناً ودميماً وقصيراً وطويلاً وشقياً وسعيداً .

وقيل : من حال إلى حال ، نطفة ثم علقة ، إلى أن تم خلقه .

ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُۥ٢٠

{ ثم السبيل يسره } : أي ثم يسر السبيل ، أي سهل .

قال ابن عباس وقتادة وأبو صالح والسدي : سبيل النظر القويم المؤدي إلى الإيمان ، وتيسيره له هو هبة العقل .

وقال مجاهد والحسن وعطاء وابن عباس في رواية أبي صالح عنه : السبيل العام اسم الجنس في هدى وضلال ، أي يسر قوماً لهذا ، كقوله : { إنا هديناه السبيل } الآية ، وقوله تعالى : { وهديناه النجدين } وعن ابن عباس : يسره للخروج من بطن أمه .