ثم ذكرهم سبحانه بنعم أخرى جعلها سببا لنصرهم وللعناية بهم فقال :
11 { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به وبذهب عنكم رجز الشيطان وليربط قلوبكم ويثبت به الإقدام } .
{ إذ يغشيكم النعاس أمنة منه } أي يلقي عليكم النوم للأمن الكائن منه تعالى ، / مما حصل لكم من الخوف من كثرة عدوكم . وقد كان أسهرهم الخوف ، فألقى تعالى عليهم النوم فأمنوا واستراحوا . وكذلك فعل تعالى بهم يوم ( أُحُد ) كما قال جل ذكره[4317] { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم } وقرئ { يُغْشيكم } من الإغشاء ، بمعنى التغشية . والفاعل في الوجهين هو الله تعالى . وقرئ : { يَغْشاكم } على إسناد الفعل إلى النعاس .
وفي ( الصحيح ) [4318] " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق رضي الله عنه ، وهما يدعوان أخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم سِنَةٌ من النوم ، ثم استيقظ متبسما ، فقال : أبشر يا أبا بكر ، هذا جبريل على ثغاياه النقع . ، ثم خرج من باب العريش ، وهو يتلو[4319] { سيهزم الجمع ويولون الدبر } .
ثم ذكرهم الله تعالى منة أخرى تدل على نصره بقوله سبحانه : { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } أي : من الحدث الأصغر والأكبر ، وهو تطهير الظاهر { ويذهب عنكم رجز الشيطان } أي وسوسته بأنكم على هذا الرمل لا تتمكنون من المحاربة ، ومع فقد الماء كيف تفعلون ؟ فأزال تعالى بإنزاله ذلك . فكان لهم به طهارة باطنة ، فكملت لهم الطهارتان أي من وسوسة أو خاطر سيء ، وهو تطهير الباطن { وليربط على قلوبكم } أي يقيها بالثقة ، بالأمن وزوال الخوف { ويثبت به الأقدام } أي على الرمل . قال مجاهد : " أنزل الله عليهم المطر ، فأطفأ به الغبار وتلبدت به الأرض وطابت نفوسهم ؛ وثبتت به أقدامهم " .
قال الجشمي : قال القاضي : وهو أشبه بالظاهر . وقيل بالصبر وقوة القلب التي أفرغها عليهم ، حتى ثبتوا لعدوهم . وقوله : { به } يرجع إلى الماء المنزل ، أو إلى ما تقدم من البشارة والنصر .