تفسير الشعراوي

الشعراوي القرن الخامس عشر الهجري

صفحة 312

طه١

بسم الله الرحمان الرحيم

يقول الحق سبحانه في بداية سورة طه[4081] :

{ طه ( 1 ) } .

تكلمنا كثيرا عن الحروف المقطعة في بدايات السور ، ولا مانع هنا أن نشير إلى ما ورد في ( طه ) . فالبعض يرى أنها حروف متصلة ، وهي اسم من أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم ، وآخرون يرون أنها حروف مقطعة مثل ( الم ) ومثل ( يس ) فهي حروف مقطعة ، إلا أنها صادفت اسما من الأسماء كما في ( ن ) حرف وهو اسم للحوت : { وذا النون إذ ذهب مغاضبا . . ( 87 ) } ( الأنبياء ) و ( ق ) حرف ، وهو اسم لجبل اسمه جبل قاف .

إذن : لا مانع أن تدل هذه الحروف على اسم من الأسماء ، فتكون ( طه ) اسما[4082] من أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة ، وأن بعدها :

{ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ( 2 ) } ( طه ) .

لكن تلاحظ هنا مفارقة ، حيث نطق الطاء والهاء بدون الهمزة ، مع أنها حروف مقطعة مثل ألف لام ميم ، لكن لم ينطق الحرف كاملا ، لأنهم كانوا يستثقلون الهمز فيخففونها ، كما في ذئب يقولون : ذيب وفي بئر ، يقولون : بير ، وهذا النطق يرجح القول بأنها اسم من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم .

وسبق أن أوضحنا أن فواتح السور بالحروف المقطعة تختلف عن باقي آيات القرآن ، فكل آيات القرآن من بدايته لنهايته بنيت على الوصل ، وإن كان لك أن تقف ؛ لذلك فكل المصاحف تبنى على الوصل في الآيات وفي السور ، فتنطق آخر السورة على الوصل ببسم الله الرحمن الرحيم في السورة التي بعدها .

تقول : { هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ( 98 ) } ( مريم ) ، ( بسم الله الرحمن الرحيم ) حتى في آخر سور القرآن ونهايته تقول : { من الجنة والناس ( 6 ) } ( الناس ) : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) مع أنها آخر كلمة في القرآن ، وماذا سيقول بعدها ؟ لكنها جاءت على الوصل إشارة إلى أن القرآن موصول أوله بآخره . لا ينعزل بعضه عن بعض ، فإياك أن تجفوه ، أو تظن أنك أنهيته ، لأن نهايته موصولة ببدايته ، فنقرأ { من الجنة والناس } ( بسم الله الرحمن الرحيم ) الحمد لله رب العالمين . .

إذن : فالقرآن كله في كل جملة وكل آية وكل سورة مبني على الوصل ، إلا في فواتح السور بالحروف المقطعة تبنى على الوقف ( ألف – لام – ميم ) ، وهذا وجه من وجوه الإعجاز ، وأن القرآن ليس ميكانيكا ، بل كلام معجز من رب العالمين .

لذلك ، فالنبي صلى الله عليه وسلم أوضح استقلالية هذه الحروف بذاتها ، فقال : تعلموا هذا القرآن ، فإنكم تؤجرون بتلاوته ، بكل حرف عشر حسنات ، أما إني لا أقول ألم حرف ، ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف ، بكل حرف عشر حسنات ) . [4083]

مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ٢

يقول الحق سبحانه : { مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ( 2 ) } .

الشقاء : هو التعب والنصب والكد ، فالحق سبحانه ينفي عن رسوله صلى الله عليه وسلم التعب بسبب إنزال القرآن عليه ، إذن : فما المقابل ؟ المقابل : أنزلنا عليك القرآن لتسعد ، تسعد أولا بأن اصطفاك لأن تكون أهلا لنزول القرآن عليك ، وتسعد بأن تحمل نفسك أولا على منهج الله وفعل الخير كل الخير .

فلماذا – إذن – جاءت كلمة { لتشقى ( 2 ) } ( طه ) ؟ .

هذا كلام الكفار أمثال أبي جهل ، ومطعم بن عدي ، والنضر بن الحارث ، والوليد بن المغيرة حينما ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له :

لقد أشقيت نفسك بهذه الدعوة[4084] .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله بعثني رحمة للعالمين )[4085] .

فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسعد ويسعد معه قومه والناس أجمعين لا ليشقى ويشقي معه الناس . لكن من أين جاء الكفار بمسألة الشقاء هذه ؟ المؤمن لو نظر إلى منهج الله الذي نزل به القرآن لوجده يتدخل في إراداته واختياراته ، ويقف أمام شهواته ، فيأمره بما يكره وما يشق على نفسه ، ويمنعه مما يألف ومما يحب .

إذن : فمنهج الله ضد مرادات الاختيار ، وهذا يتعب النفس ويشق عليها إذا عزلت الوسيلة عن غايتها ، فنظرت إلى الدنيا والتكليف منفصلا عن الآخرة والجزاء .

أما المؤمن فيقرن بين الوسيلة والغاية ، ويتعب في الدنيا على أمل الثواب في الآخرة ، فيسعد بمنهج الله ، لا يشقى به أبدا .

كالتلميذ الذي يتحمل مشقة الدرس والتحصيل ؛ لأنه يستحضر فرحة الفوز والنجاح آخر العام .

من هنا رأى هؤلاء الكفار في منهج الله مشقة وتعبا ، لأنهم عزلوا الوسيلة عن غايتها ؛ لذلك شعروا بالمشقة ، في حين شعر المؤمنون بلذة العبادة ومتعة التكليف من الله ، وهذه المسألة هي التي جعلتهم يتخذون آلهة لا مطالب لها ، ولا منهج ، ولا تكليف ، آلهة يعبدونها على هواهم ، ويسيرون في ظلها على حل شعورهم .

لذلك أوضح القرآن أنهم مغفلون في هذه المسألة ، فقال : { مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ( 2 ) } ( طه ) .

أو يكون الشقاء : تعرضه لعتاة قريش وصناديدها الذين سخروا منه ، وآذوه وسلطوا عليه سفهاءهم وصبيانهم ، يشتمونه ويرمونه بالحجارة ، وهو صلى الله عليه وسلم يشقي نفسه بدعوتهم والحرص على هدايتهم .

والحق تبارك وتعالى ينفي الشقاء بهذا المعنى أيضا : { مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ( 2 ) } ( طه ) : أي : لتشقي نفسك معهم ، إنما أنزلناه لتبلغهم فحسب[4086] ، وقد تكرر هذا المعنى في القرآن كثيرا في مثل قوله تعالى : { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ( 6 ) } ( الكهف ) ، وقوله : { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ( 4 ) } ( الشعراء ) .

وسبق أن ضربنا لذلك – مثلا – ولله المثل الأعلى – برجل عنده عبدان : ربط أحدهما إليه بحبل ، وأطلق الآخر حرا ، فإذا ما دعاهما فاستجابا لأمره ، فأيهما أطوع له ، وأكثر احتراما لأمره ؟

لا شك الحر الطليق ؛ لأنه جاء مختارا ، في حين كان قادرا على العصيان ، وكذلك ربك – تبارك وتعالى – يريد منك أن تأتيه حرا مختارا مؤمنا ، وأنت قادر ألا تؤمن .

والبعض يحلو لهم نقد الإسلام واتهام الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيقولون : إن رسول الله يخطئ والله يصوب له ، ونتعجب : وما يضيركم أنتم ؟ طالما أن ربه هو الذي يصوب له ، هل أنتم الذين صوبتم لرسول الله ؟ ! ثم من أخبركم بخطأ رسول الله ؟ أليس هو الذي أخبركم ؟ أليس هذا من قوة أمانته في التبليغ ويجب أن تحمد له ؟ .

إذن : فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستنكف أن يربيه ربه ؛ لذلك يقول : ( إنما أنا بشر يرد علي – يعني من الحق – فأقول : أنا لست كأحدكم ، ويؤخذ مني فأقول : ما أنا إلا بشر مثلكم ) .

وقد تمحك هؤلاء كثيرا في قصة عبد الله بن أم مكتوم ، حينما انشغل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبار قريش ، والمتأمل في هذه القصة يجد أن ابن أم مكتوم كان رجلا مؤمنا جاء ليستفهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ، فالكلام معه ميسور وأمر سهل ، أما هؤلاء فهم رؤوس الكفر وكبار القوم ، ولديهم مع ذلك لدد في خصومتهم للإسلام ، ، والنبي صلى الله عليه وسلم يحرص على هدايتهم ويرهق نفسه في جدالهم أملا في أن يهدي الله بهم من دونهم .

إذن : النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف اختار لنفسه الأصعب ، وربه يعاتبه على ذلك ، فهو عتاب لصالحه ، له لا عليه[4087] .

إِلَّا تَذۡكِرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰ٣

ثم يقول الحق سبحانه : { إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى ( 3 ) } .

أي : ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ، وإنما أنزلناه ( تذكرة ) أي : تذكيرا ( لمن يخشى ) الخشية : خوف بمهابة ؛ لأن الخوف قد يكون خوفا دون مهابة ، أما الخوف من الله فخوف ومهابة معا .

تَنزِيلٗا مِّمَّنۡ خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلۡعُلَى٤

تنزيلا : مصدر أي أنزلناه تنزيلا ، وقد ورد في نزول القرآن : أنزلناه ، ونزلناه ونزل ، يقول تعالى : { إنا أنزلناه في ليلة القدر ( 1 ) وما أدراك ما ليلة القدر ( 2 ) ليلة القدر خير من ألف شهر ( 3 ) تنزل الملائكة والروح فيها . . ( 4 ) } ( القدر ) : لأن القرآن أخذ أدوارا عدة في النزول ، فقد كان في اللوح المحفوظ ، فأراد الله له أن يباشر القرآن مهمته في الوجود ، فأنزله من اللوح المحفوظ مرة واحدة إلى السماء الدنيا . فأنزله – أي الله تعالى – ثم تنزل مفرقا حسب الأحداث من السماء الدنيا على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نزل به جبريل : { نزل به الروح الأمين ( 193 ) } ( الشعراء ) .

وقوله تعالى : { مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى ( 4 ) } ( طه ) .

خص السماوات والأرض ، لأنها من أعظم خلق الله ، وقد أعدهما الله ليستقبلا الإنسان ، فالإنسان طرأ على كون معد جاهز لاستقباله ، فكان عليه ساعة أن يرى هذا الكون المعد لخدمته بأرضه وسمائه ، ولا قدرة له على تسيير شيء منها ، كان عليه أن يعمل عقله ، ويستدل بها على الموجد سبحانه وتعالى .

كأن الحق - تبارك وتعالى – يقول لك : إذا كان الخالق سبحانه قد أعد لك الكون بما يقيم حياتك المادية ، أيترك حياتك المعنوية بدون عطاء ؟ .

والخالق عز وجل خلق هذا الكون بهندسة قيومية عادلة حكيمة توفر لخليفته في الأرض استبقاء حياته ، وتعطيه كل ما يحتاج إليه بقدر دقيق ، واستبقاء الحياة يحتاج إلى طعام ، وشراب وهواء ، وقد أعطاها الله للإنسان بحكمة بالغة .

فالطعام يحتاجه الإنسان ، ويستطيع أن يصبر عليه شهرا ، دون أن يأكل ، ويحتاج إلى الماء ولكن لا يستطيع أن يصبر عليه أكثر من عشرة أيام ، ويحتاج إلى الهواء ولكن لا يصبر عليه لحظة تستغرق عدة أنفاس .

لذلك ، فمن رحمته تعالى بعباده أن يمتلك بعض الناس القوت ، فالوقت أمامك طويل لتحتال على كسبه ، وقليلا ما يملك أحد الماء ، أما الهواء الذي لا صبر لك عليه ، فمن حكمة الله أنه لا يملكه أحد ، وإلا لو منع أحد عنك الهواء لمت قبل أن يرضى عنك .

فمن حكمة الله أن خلق جسمك يستقبل مقومات استبقاء الحياة فترة من الزمن تتسع للحيلة وللعطف من الغير ، وحين تأكل يأخذ الجسم ما يحتاجه على قدر الطاقة المبذولة ، وما فاض يختزن في جسمك على شكل دهن يغذي الجسم حين لا يتوفر الطعام .

ومن عجائب قدرة الله أن هذه المادة الدهنية تتحول تلقائيا إلى أي مادة أخرى يحتاجها الجسم ، فإن احتاج الحديد تتحول كيماويا إلى الحديد ، وإن احتاج الزرنيخ تتحول كيماويا إلى زرنيخ ، وهي في الواقع مادة واحدة ، فمن يقدر على هذه العملية غيره تعالى ؟ .

وبعد أن أعطاك ما يستبقي حياتك من الطعام والشراب والهواء أعطاك ما يستبقي نوعك بالزواج والتناسل .

وقوله تعالى : { السماوات العلى ( 4 ) } ( طه ) : العلا : جمع عليا ، كما نقول في جمع كبرى : كبر { إنها لإحدى الكبر ( 35 ) } ( المدثر ) .

وهكذا تكتمل مقومات التكوين العالي لخليفة الله في الأرض ، فكما أعطاه ما يقيم حياته ونوعه بخلق السماوات والأرض ، أعطاه ما يقيم معنوياته بنزول القرآن الذي يحرس حركاتنا من شراسة الشهوات ، فالذي أنزل القرآن هو الذي خلق الأرض والسماوات العلا .

والصفة البارزة في هذا التكوين العالي للإنسان هي صفة الرحمانية ؛ لذلك قال بعدها : { الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ( 5 ) } .

ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ٥

فالآية السابقة أعطتنا مظهرا من مظاهر العطف والرحمة ، وهذه تعطينا مظهرا من مظاهر القهر والغلبة ، واستواء الرحمن – تبارك وتعالى – على العرش يؤخذ في إطار{ ليس كمثله شيء . . ( 11 ) }( الشورى )وسبق أن تكلمنا في الصفات المشتركة بين الحق سبحانه وبين خلقه ، فلك سمع وبصر ، ولله سمع وبصر ، لكن إياك أن تظن أن سمع الله كسمعك ، أو أن بصره كبصرك .

كذلك في مسألة الاستواء على العرش ، فللحق سبحانه استواء على عرشه ، لكنه ليس كاستوائك أنت على الكرسي مثلا[4088] .

والعرش في عرف العرب هو سرير الملك ، وهل يجلس الملك على سريره ليباشر أمر مملكته ويدير شئونها إلا بعد أن يستتب له الأمر ؟

وكذلك الخالق – جل وعلا – خلق الكون بأرضه وسمائه ، وخلق الخلق ، وأنزل القرآن لينظم حياتهم ، وبعد أن استتب له الأمر لم يترك الكون هكذا يعمل ميكانيكيا ، ولم ينعزل عن كونه وعن خلقه ؛ لأنهم في حاجة إلى قيوميته تعالى في خلقه .

ألم يقل الحق سبحانه في الحديث القدسي : ( يا عبادي ، ناموا ملء جفونكم ، لأني قيوم لا أنام )[4089] .

فكون الله ليس آلة تعمل من تلقاء نفسها ، وإنما هو قائم بقيوميته عليه لا يخرج عنها ؛ لذلك كانت المعجزات التي تخرق نواميس الكون دليلا على هذه القيومية .

لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَمَا تَحۡتَ ٱلثَّرَىٰ٦

ثم يقول الحق سبحانه : { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ( 6 ) } .

الحق – تبارك وتعالى – يمتن بما يملكه سبحانه في السموات وفي الأرض وما تحت الثرى ، والله تعالى لا يمتن إلا بملكية الشيء النفيس الذي ينتفع به .

وكأنه سبحانه يلفت أنظار خلقه إلى ما في الكون من مقومات حياتهم المادية ليبحثوا عنها ، ويستنبطوا ما ادخره لهم من أسرار وثروات في السموات والأرض ، والناظر في حضارات الأمم يجد أنها جاءت إما من حفريات الأرض ، أو من أسرار الفضاء الأعلى في عصر الفضاء .

ولو فهم المسلمون هذه الآية منذ نزلت لعلموا أن في الأرض وتحت الثرى وهو : ( التراب ) كنوزا وثروات ما عرفوها إلا في العصر الحديث بعد الاكتشافات والحفريات ، فوجدنا البترول والمعادن والأحجار الثمينة ، كلها تحت الثرى مطمورة تنتظر من ينقب عنها وينتفع بها .

وقد أوضح العلماء أن هذه الثروات موزعة في أرض الله بالتساوي ، بحيث لو أخذت قطاعات متساوية من أراض مختلفة لوجدت أن الثروات بها متساوية : هذه بها ماء ، وهذه مزروعات ، وهذه معادن ، وهذه بترول وهكذا ، فهي أشبه بالبطيخة حين تقسمها إلى قطع متساوية من السطح إلى المركز .

لذلك يقول تعالى : { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ( 21 ) } ( الحجر ) .

إذن : فالخير موجود ينتظر القدر ليظهر لنا وننتفع به .

وَإِن تَجۡهَرۡ بِٱلۡقَوۡلِ فَإِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى٧

ثم يقول تبارك وتعالى : { وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ( 7 ) } .

الحق – سبحانه وتعالى – حينما يطلب من رسوله أن يذكر يريد منه أن يذكر تذكيرا مرتبطا بنيته ، لا ليقطع العتب عن نفسه ، فالمسألة ليست جهرا بالتذكير .

وإذا كان الله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم : إنني سأحرس سرك كما أحرس علانيتك ، وأن الجهر عندي مثل السر ، بل وأخفى من السر ، وهو صلى الله عليه وسلم مؤتمن على الرسالة فإنه تعالى يقول أيضا لأمته : إياكم أن تقولوا كلاما ظاهره فيه الرحمة ، ونيتكم مستقرة عليه ؛ لأن الله كما يعلم الجهر يعلم السر ، وما هو أخفى من السر .

وتكلمنا عن الجهر ، وهو أن تسمع من يريد أن يسمع ، والسر : أن تخص واحدا بأن تضع في أذنه كلاما لا تحب أن يشيع عند الناس ، وتهمس في أذنه بأنك المأمون على هذا الكلام ، وأنت ترتاح نفسيا حينما تلقي بسرك إلى من تثق فيه ، وتأمن ألا يذيعه ، وهناك في حياة كل منا أمور تضيق النفس بها ، فلا بد لك أن تنفس عن نفسك ، كما قال الشاعر :

ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة *** يواسيك أو يسليك أو يتوجع

فأنت – إذن – في حاجة لمن يسمع منك ليريحك ، وينفس عنك ، ولا يفضحك بما أسررت إليه .

ومعنى : { وأخفى ( 7 ) } ( طه ) : أي : أخفى من السر ، فإن كان سرك قد خرج من فمك إلى أذن سامعك ، فهناك ما هو أخفى من السر ، أي : ما احتفظت به لنفسك ولم تتفوه به لأحد .

لذلك يقول تعالى : { وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ( 13 ) } ( الملك ) : أي : مكنوناتها قبل أن تصير كلاما .

وقال أيضا : { ونعلم ما توسوس به نفسه . . ( 16 ) } ( ق ) : فوسوسة النفس ، وذات الصدور هي الأخفى من السر ، فلدينا – إذن - جهر ، وسر ، وأخفى من السر ، لكن بعض العارفين يقول : وهناك في علم الله ما هو أخفى من الأخفى ، فما هو ؟ يقول : إنه تعالى يعلم ما سيكون في النفس قبل أن يكون .

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ٨

وبعد ذلك جاء الحق سبحانه بالكلمة التي بعث عليها الرسل جميعا : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى ( 8 ) } .

هذه الكلمة ( لا إله إلا هو ) هي قمة العقيدة ، وقال عنها النبي صلى الله عليه وسلم : ( خير ما قلته أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله )[4090] .

وما دام لا إله إلا الله ، فهو سبحانه المؤتمن عليك ، فليس هناك إله آخر يعقب عليه ، فاعمل لوجهه يكفك كل الأوجه وتريح نفسك أن تتنازعك قوى شتى ومختلفة ، ويغنيك عن كل غنى .

وحينما دخل أعرابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتكلم مع أبي بكر – رضي الله عنه – لم يفهم من كلامهما شيئا ، فقال : يا رسول الله أنا لا أحسن دندنتك ولا دندنة أبي بكر ، أنا لا أعرف إلا : لا إله إلا الله محمد رسول الله . فقال صلى الله عليه وسلم : ( حولها ندندن يا أخا العرب )[4091] .

فهي الأساس والمركز الذي يدور حوله الإسلام .

وكلمة ( الله ) علم على واجب الوجود بكل صفات الكمال له ، فهو الله الموجود ، الله القادر ، الله العالم ، الله الحي ، الله المحيي ، الله الضار . فكل هذه صفات له سبحانه ، لكن هذه الصفات لما بلغت حد الكمال فيه تعالى أصبحت كالاسم العلم ، بحيث إذا أطلق الخالق لا ينصرف إلا له ، والرازق لا ينصرف إلا له .

وقد يشترك الخلق مع الخالق في بعض الصفات ، كما في قوله تعالى : { وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم . . ( 8 ) } ( النساء ) .

فالإنسان أيضا يرزق ، لكن رزقه من باطن رزق الله ، فهو سبحانه الرازق الأعلى ، ومن بحره يغترف الجميع .

وكما في قوله تعالى : { فتبارك الله أحسن الخالقين ( 14 ) } ( المؤمنون ) ، وقال تعالى : { وتخلقون إفكا . . ( 17 ) } ( العنكبوت ) .

ومعنى ذلك أن هناك خالقين غيره سبحانه ، ومعنى الخلق :

الإيجاد من عدم ، فالذي جاء بالرمل وصنع منه كوبا فهو خالق للكوب ، فأنت أوجدت شيئا من عدم ، والله تعالى أوجد شيئا من عدم ، ولكنك أوجدت من موجود الله قبل أن توجد أنت ، فهو – إذن – أحسن الخالقين في حين لم يضن عليك ربك بأن ينصفك ويسميك خالقا ، وهذا يوجب عليك أن تنصفه سبحانه وتقول { أحسن الخالقين ( 14 ) } ( المؤمنون ) .

وأيضا ، فإن الله تعالى إذا احترم إيجادك لمعدوم فسماك خالقا له ، ولم يضن عليك فأعطاك صفة من صفاته إنما أخبرك أنه أحسن الخالقين ، لأنك توجد معدوما يظل على إيجادك ويجمد على هذه الحالة ، لكن الخالق – سبحانه وتعالى – يوجد معدوما ويمنحه الحياة ، ويجعله يلتقي بمثله وينجب ، فهل يستطيع الإنسان الذي أوجد كوبا أن يجعل منه ذكرا وأنثى ينتجان لنا الأكواب ؟ ! وهل يكبر الكوب الصغير ، أو يتألم إن كسر مثلا ؟ ! .

إذن : فالخالق سبحانه هو أحسن الخالقين ، وكذلك هو خير الرازقين ، وخير الوارثين ، وخير الماكرين .

وقوله تعالى : { له الأسماء الحسنى ( 8 ) } ( طه ) : الحسنى : صيغة تفضيل للمؤنث مثل : كبرى ، تقابل ( أحسن ) للمذكر . إذن : فهناك أسماء حسنة هي أسماء الخلق ، أما أسماء الله فحسنى ؛ لأنها بلغت القمة في الكمال ، ولأن الأسماء والصفات التي تنطبق عليها موجودة في الخالق الأعلى سبحانه ، فحين تقول في أسماء الله تعالى ( الرازق ) فهي الصفة الحسنى لا الحسنة .

لذلك لما أراد رجل يدعى ( سعد ) أن يشاور أباه في خطبة ابنته حسنى وقد تقدم لها رجلان : حسن وأحسن . فقال له أبوه ( فحسنى يا سعد للأحسن ) .

وقال تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة . . ( 26 ) } ( يونس ) : فلم يقل : حسنة ، لأنهم أحسنوا فاستحقوا الحسنى بل وزيادة .

وأسماء الله تعالى هي في الحقيقة صفات ، إلا أنها أطلقت على الحق – تبارك وتعالى – أصبحت أسماء ، ولك أن تسمي فتاة زنجية ( قمر ) وتسمي قزما ( الطويل ) لأن الاسم إذا أطلق علما على الغير انحل عن معناه الأصلي ولزم العلمية فقط ، لكن أسماء الله بقيت على معناها الأصلي حتى بعد أن أصبحت علما على الله تعالى ، فهي – إذن – أسماء حسنى .

وبعد أن تكلم الحق – تبارك وتعالى – عن الرسول الخاتم صاحب المنهج الخاتم – فليس بعده نبي وليس بعد منهجه منهج – أراد سبحانه أن يسليه تسلية تبين مركزه في موكب الرسالات ، وأن يعطيه نموذجا لمن سبقوه من الرسل ، وكيف أن كل رسول تعب على قدر رسالته ، فإن كانت الرسالات السابقة محدودة الزمان محدودة المكان ، ومع ذلك تعب أصحابها في سبيلها ، فما بالك برسول جاء لكل الزمان ولكل المكان ؟ لا بد أنه سيواجه من المتاعب مثل هؤلاء جميعا .

إذن : فوطن نفسك يا محمد على أنك ستلقى من المتاعب والصعاب ما يناسب عظمتك في الرسالة وخاتميتك للأنبياء ، وامتداد رسالتك في الزمان إلى أن تقوم الساعة ، وفي المكان إلى ما اتسعت الأرض .

لذلك اختار الحق – تبارك وتعالى – لرسوله صلى الله عليه وسلم نبيا من أولي العزم ؛ لأنه جاء لبني إسرائيل وجاء لفرعون ، وقد كان بنو إسرائيل قوما ماديين ، أما فرعون فقد ادعى الألوهية ، اختار موسى – عليه السلام – ليقص على رسول الله قصته ويسليه فيما يواجهه من متاعب الدعوة ، كما قال تعالى : { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ( 120 ) } ( هود ) .

وقال تعالى : { قل ما كنت بدعا[4092]من الرسل . . ( 9 ) } ( الأحقاف ) .

فأنت يا محمد كغيرك من الرسل ، وقد وجدوا من المشقة على قدر رسالاتهم ، وسوف تجد أنت أيضا من المشقة على قدر رسالتك . ونضرب لذلك مثلا بالتلميذ الذي يكتفي بالإعدادية وآخر بالثانوية أو الجامعة ، وآخر يسعى للدكتوراة ، فلا شك أن كلا منهم يبذل من الجهد على قدر مهمته . لذلك يقول تعالى : { وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ[4093]مُوسَى ( 9 ) } .

وَهَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ٩

إذا جاء الاستفهام من الله تعالى فاعلم أنه استفهام على غير حقيقته ، فلا يراد هنا طلب الفهم ، لأن أخبار محمد تأتيه من ربه – عز وجل – فكيف يستفهم منه . إنما المراد بالاستفهام هنا التشويق لما سيأتي كما تقول لصاحبك : هل بلغك ما حدث بالأمس ؟ فيشوقه لسماع ما حدث .

والحديث أي : الخبر عنه سواء أكان بالوحي ، أو بغير الوحي ، كأن حكيت له قصة موسى عليه السلام . . فهل بلغتك هذه القصة ؟

اسمعها الآن مني : { إِذْ[4094]رَءا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ[4095] أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ( 10 ) } .

إِذۡ رَءَا نَارٗا فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدٗى١٠

نلحظ هنا أن السياق لم يذكر قصة موسى من أولها لما قال تعالى : { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه . . ( 7 ) } ( القصص ) ثم خروجه من المدينة خائفا وذهابه إلى شعيب . . الخ ، وإنما قصد إلى مناط الأمر ، وهي الرسالة مباشرة .

وقوله : { إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ( 10 ) } ( طه ) : آنست : أي : أبصرت ، وشعرت بشيء يستأنس به ويفرح به ويطمأن إليه ، ومقابلها ( توجست ) للشر الذي يخاف منه كما في قوله : { فأوجس في نفسه خيفة موسى ( 67 ) } ( طه ) .

( لعلي ) رجاء أن أجد فيها القبس ، وهو شعلة النار التي تتخذ من النار إن أدركت النار وهي ذات لهب ، فتأخذ منها عودا مشتعلا مثل الشمعة .

وفي سياق آخر قال : ( جذوة )[4096] وهي النار حينما ينطفئ لهبها ويبقى منها جمرات يمكن أن تشعل منها النار . وفي موضع آخر قال : { سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس . . ( 7 ) } ( النمل ) .

وهذه كلها صور متعددة ، وحالات للنار ، ليس فيها تعارض كما يحلو للبعض أن يقول ، فموسى عليه السلام حينما قال : { لعلي آتيكم . . ( 10 ) } ( طه ) : يرجو أن يجد القبس ، لكن لا يدري حال النار عندما يأتيها ، أتكون قبسا أم جذوة ؟ .

وقد طلب موسى – عليه السلام – القبس لأهله ؛ لأنهم كانوا في ليلة مطيرة شديدة البرد ، وهم غرباء لا يعلمون شيئا عن المكان ، فهو غير مطروق لهم فيسيرون لا يعرفون لهم اتجاها ، فماذا يفعل موسى عليه السلام ومعه زوجته وولده الصغير وخادمه ؟

إنهم في أمس الحاجة للنار ، إما للتدفئة في هذا الجو القارس ، وإما لطلب هداية الطريق ، لذلك قال : { أو أجد على النار هدى ( 10 ) } ( طه ) أي : هاديا يدلنا على الطريق .

وفي موضع آخر قال : { لعلي آتيكم منها بخبر . . ( 29 ) } ( القصص ) لذلك لما أبصر موسى عليه السلام النار أسرع إليها بعد أن طمأن أهله : { امكثوا إني آنست نارا . . ( 10 ) } ( طه ) .

وهذه المسألة من قصة موسى كانت مثار تشكيك من خصوم الإسلام ، حيث وجدوا سياقات مختلفة لقصة واحدة ، فمرة يقول : { امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم . . ( 10 ) } ( طه ) ، وفي موضع آخر يقول : { لعلي آتيكم منها بخبر . . ( 29 ) } ( القصص ) .

ومرة يقول : ( قبس ) وأخرى يقول : ( بشهاب قبس ) ومرة ( بجذوة ) ومرة يقول : { أو أجد على النار هدى ( 10 ) } ( طه ) ومرة يقول : { لعلي آتيكم منها بخبر . . ( 29 ) } ( القصص ) .

والمتأمل في الموقف الذي يعيشه الآن موسى وامرأته وولده الصغير وخادمه في هذا المكان المنقطع وقد اكفهر عليهم الجو ، يجد اختلاف السياق هنا أمرا طبيعيا ، فكل منهم يستقبل الخبر من موسى بشكل خاص ، فلما رأى النار وأخبرهم بها أراد أن يطمئنهم فقال : { سآتيكم . . ( 7 ) } ( النمل ) : فلما رآهم متعلقين به يقولون : لا تتركنا في هذا المكان قال : { امكثوا . . ( 10 ) } ( طه ) وربما قال هذه لزوجه وولده وقال هذه لخادمه . فلا بد أنهم راجعوه . فاختلفت الأقوال حول الموقف الواحد .

كذلك في قوله : قبس أو جذوة لأنه حين قال : { لعلي آتيكم . . ( 10 ) } ( طه ) : يرجو أن يجد هناك القبس ، لكن لعله يذهب فيجد النار جذوة . وفي مرة أخرى يجزم فيقول : { سآتيكم . . ( 7 ) } ( النمل )

إذن : هي لقطات مختلفة تكون نسيج القصة الكاملة ، وتعددت الكلمات لأن الموقف قابل للمراجعة ، ولا ينتهي بكلمة واحدة .

فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ يَٰمُوسَىٰٓ١١

ثم يقول الحق سبحانه : { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى ( 11 ) } .

يقال : إن موسى عليه السلام لما أتاها وجد نورا يتلألأ في شجرة ، لكن لا خضرة الشجرة تؤثر في النور فتبهته ، ولا النور يطغى على خضرة الشجرة فيمنع عنها الخضرة ، فهي – إذن – مسألة عجيبة لا يقدر عليها إلا الله .

فكانت هذه النار هي أول الإيناس لموسى في هذا المكان الموحش ، وكأن المنظر العجيب الذي رآه إعداد إلهي لموسى حتى يتلقى عن ربه ، فليست المسألة مجرد منظر طبيعي .

وقوله تعالى : { نودي يا موسى . . ( 11 ) } ( طه ) : أي : في هذه الدهشة { نودي . . ( 11 ) } ( طه ) فالذي يناديه يعرفه تماما ؛ لذلك ناداه باسمه { يا موسى . . ( 11 ) } ( طه ) : وما دام الأمر كذلك فطمع الخير فيه موجود ، وبدأ موسى يطمئن إلى مصدر النداء ، ويأنس به ، ويبحث عن مصدر هذا الصوت ، ولا يعرف من أين هو ؛ لذلك اعتبرها مسألة عجيبة مثل منظر الشجرة التي ينبعث منها النور .

إِنِّيٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى١٢

فساعة أن كلمه ربه : { إِنِّي أَنَا رَبُّكَ . . ( 12 ) } ( طه ) : أزال ما في نفسه من العجب والدهشة لما رآه وسمعه ، وعلم أنها من الله تعالى فاطمأن واستبشر أن يرى عجائب أخرى .

ونلحظ في قوله تعالى : { إِنِّي أَنَا رَبُّكَ . . ( 12 ) } ( طه ) : أن الحق – تبارك وتعالى – حينما يتحدث عن ذاته تعالى يتحدث بضمير المفرد { إِنِّي أَنَا رَبُّكَ . . ( 12 ) } ( طه ) ، وحينما يتحدث عن فعله يتحدث بصيغة الجمع ، كما في قوله عز وجل : { إنا أنزلناه في ليلة القدر ( 1 ) } ( القدر ) { إنا نحن نزلنا الذكر . . ( 9 ) } ( الحجر ) ، { إنا نحن نرث الأرض ومن عليها . . ( 40 ) } ( مريم ) .

فلماذا تكلم عن الفعل بصيغة الجمع ، في حين يدعونا إلى توحيده وعدم الإشراك به ؟ قالوا : الكلام عن ذاته تعالى لا بد فيه من التوحيد ، كما في : { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ( 14 ) } ( طه )

لكن في الفعل يتكلم بصيغة الجمع ، لأن الفعل يحتاج إلى صفات متعددة وإمكانات شتى ، يحتاج إلى إرادة تريده ، وقدرة على تنفيذه وإمكانات وعلم وحكمة .

إذن : كل صفات الحق تتكاتف في الفعل ؛ لذلك جاء الحديث عنه بصيغة الجمع ، ويقولون في النون في قوله : { نزلنا الذكر . . ( 9 ) } ( الحجر ) ، { نرث الأرض . . 40 ) } ( مريم ) : أنها : نون التعظيم .

وقد جاء الخطاب لموسى بلفظ الربوبية : { إني أنا ربك . . ( 12 ) } ( طه ) : لإيناس موسى ؛ لأن الربوبية عطاء ، فخطابه ( بربك ) أي الذي يتولى رعايتك وتربيتك ، وقد خلقك من عدم ، وأمدك من عدم ، ولم يقل : إني أنا الله ؛ لأن الألوهية مطلوبها تكليف وعبادة وتقييد للحركة بافعل كذا ولا تفعل كذا .

وقوله تعالى : { إني أنا ربك . . ( 12 ) } ( طه ) : أي : ربك أنت بالذات لا الرب المطلق ؛ لأن الرسل مختلفون عن الخلق جميعا ، فلهم تربية مخصوصة ، كما قال تعالى : { ولتصنع على عيني ( 39 ) } ( طه ) وقال : { واصطنعتك[4097]لنفسي ( 41 ) } ( طه ) .

إذن : فالحق تبارك وتعالى يربي الرسل تربية تناسب المهمة التي سيقومون بها .

وقوله تعالى : { فاخلع نعليك . . ( 12 ) } ( طه ) : هذا أول أمر ، وخلع النعل للتواضع وإظهار المهابة ، ولأن المكان مقدس والعلة { إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ( 12 ) } ( طه ) : فاخلع نعليك حتى لا تفصل جسمك عن تربة هذا المكان المقدس الطاهر ، ولا تجعل نعليك يحولان بينك وبين مباشرة ذرات هذا التراب .

ومن ذلك ما نراه في مدينة رسول الله من أناس يمشون بها حافيي الأقدام ، يقول أحدهم : لعلي أصادف بقدمي موضع قدم رسوله صلى الله عليه وسلم .

وقوله : { طوى ( 12 ) } ( طه ) اسم الوادي[4098]وهذا كلام عام جاء تحديده في موضع آخر ، فقال سبحانه : { فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة . . ( 30 ) } ( القصص )

والبعض يرى في الآية تكرارا . وليست الآية كذلك ، إنما هو تأسيس لكلام جديد يوضح ويحدد مكان الوادي المقدس طوى أين هو ، فإن قلت : أين طوى ؟ يقول لك : في الواد الأيمن : لكن الواد الأيمن نفسه طويل ، فأين منه هذا المكان ؟ يقول لك : عند البقعة المباركة من الشجرة[4099] .

إذن : فالآية الثانية تحدد لك المكان ، كما تقول أنت : أسكن في حي كذا ، وفي شارع كذا ، في رقم كذا .

صفحة 313

وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا يُوحَىٰٓ١٣

ثم يقول الحق سبحانه : { وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ( 13 ) } .

أي : وإن كنت ربا لك وربا للكافرين فسوف أزيدك خصوصية لك { وأنا اخترتك ( 13 ) } أي : للرسالة ، والله أعلم حيث يجعل رسالته .

لذلك لم نزل القرآن على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ما اعترض كفار مكة على القرآن ، ولم يجدوا فيه عيبا فيما يدعو إليه من أخلاق فاضلة ومثل عليا ، ولم يجدوا فيه مأخذا في أسلوبه ، وهم أمة ألفت الأسلوب الجيد ، وعشقت آذانها فصاحة الكلام ، فتوجهوا بنقدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين[4100]عظيم ( 31 ) } ( الزخرف ) .

فكل اعتراضهم أن ينزل القرآن على محمد بالذات ؛ لذلك رد عليهم القرآن بما يكشف غباءهم في هذه المسألة ، فقال : { أهم يقسمون رحمت ربك ( 32 ) } ( الزخرف ) : كيف ونحن قد قسمنا بينهم معيشتهم الأدنى : { نحن قسمنا بينهم معيشتهم ( 32 ) } ( الزخرف ) .

وهم يريدون أن يقسموا رحمة الله فيقولون : نزل هذا على هذا ، وهذا على هذا ؟

ثم يقول تعالى : { فاستمع لما يوحى ( 13 ) } ( طه ) : مادة : سمع منها : سمع ، واستمع وتسمع . قولنا : سمع أي مصادفة وأنت تسير في الطريق تسمع كلاما كثيرا . منه ما يهمك وما لا يهمك ، فليس على الأذن حجاب يمنع السمع كالجفن للعين ، مثلا حين ترى منظرا لا تحبه .

إذن : أنت تسمع كل ما يصل إلى أذنك ، فليس لك فيه خيار .

إنما : استمع . أن تتكلف السماع ، والمتكلم حر في أن يتكلم أو لا يتكلم .

وتسمع : أي : تكلف أشدا تكلفا لكي يسمع .

لذلك ؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم حين يخبر أنه ستعم بلوى الغناء ، وستنتشر الأجهزة التي ستشيع هذه البلوى ، وتصبها في كل الآذان رغما عنها يقول : ( من تسمع إلى قينة[4101]صب الآنك في أذنيه ) .

أي : تكلف أن يسمع ، وتعمد أن يوجه جهاز الراديو أو التليفزيون إلى هذا الغناء ؛ ولم يقل : سمع ، وإلا فالجميع يناله من هذا الشر رغما عنه .

وهنا قال تعالى : ( فاستمع ) ولم يقل : تسمع : لأنه لا يقترح على الله تعالى أن يتكلم ، ومعنى : استمع أي : جند كل جوارحك ، وهيئ كل حواسك لأن تسمع ، فإن كانت الأذن للسمع ، فهناك حواس أخرى يمكن أن تشغلها عن الانتباه ، فالعين تبصر ، والأنف يشم ، واللسان يتكلم .

فعليك أن تجند كل الحواس لكي تسمع ، وتستحضر قلبك لتعي ما تسمعه ، وتنفذ ما طلب منك ؛ لذلك حين تخاطب صاحبك فتجده منشغلا عنك تقول : كأنك لست معنا . لماذا ؟ لأن جارحة من جوارحه شردت ، فشغلته عن السماع[4102] .

وقوله تعالى : { لما يوحى ( 13 ) } ( طه ) : الوحي عموما : إعلام بخفاء من أي لأي في أي ، خيرا كان أم شرا ، أما الوحي الشرعي فهو : إعلام من الله إلى رسول أرسله بمنهج خير للعباد ، فإن كان الوحي من الله إلى أم موسى مثلا ، أو إلى الحواريين فليس هذا من الوحي الشرعي . وهكذا تحددت من أي لأي في أي .

لكن ، كيف ينزل الوحي من الله تعالى على الرسول ؟ كيف تلتقي الألوهية في علوها بالبشرية في دنوها ؟ إذن : لا بد من واسطة ؛ لذلك قال تعالى : { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس . . ( 75 ) } ( الحج )

فالمصطفى من الملائكة يتقبل من الله ، ويعطي للمصطفى من البشر ، لأن الأعلى لا يمكن أن يلتقي بالأدنى مباشرة : { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء . . ( 51 ) } ( الشورى ) .

فاستعداد الإنسان وطبيعته لا تؤهله لهذا اللقاء ، كيف ولما تجلى الحق – سبحانه وتعالى – للجبل جعله دكا ، ومن عظمته سبحانه أننا لا نراه ولا نتكلم معه مباشرة ، ولا نحسه بأي حاسة من حواسنا ، ولو حس الإله بأي حاسة ما استحق أن يكون إلها .

وكيف يحس الحق – تبارك وتعالى – ومن خلقه وصنعته ما لا يحس ، كالروح مثلا ؟ فنحن لا نعلم كنهها ، ولا أين هي ، ولا نحسها بأي حاسة من حواسنا ، فإذا كانت الروح المخلوقة لم نستطع أن ندركها ، فكيف ندرك خالقها ؟

الحق الذي يدعيه الناس ويتمسحون فيه ، ويفخر كل منهم أنه يقول كلمة الحق ، وكذلك العدل وغيرها من المعاني : أتدركها ، أتعرف لها شكلا ؟ فكيف –إذن – تطمع في أن تدرك الخالق عز وجل ؟

إذن : من عظمته سبحانه أنه لا تدركه الحواس ، ولا يلتقي بالخلق لقاء مباشرا ، فالمصطفى من الملائكة يأخذ عن الله ، ويعطى للمصطفى من الخلق ، ثم المصطفى من الخلق يعطي للخلق ، ومع ذلك كان صلى الله عليه وسلم يجهد ، ويتصبب جبينه عرقا في أول الوحي .

ولذلك شاء الحق سبحانه أن يحجب الوحي عن رسوله فترة ليستريح من مباشرة الملك له ، وبانقطاع الوحي تبقى لرسول الله حلاوة ما أوحي إليه ويتشوق إلى الوحي من جديد ، فيهون عليه ما يلاقي في سبيله من مشقة ، لأن انشغال القلب بالشيء ينسي متاعبه .

وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه الوحي يسمع حوله دوي كدوي النحل[4103] ، ولو صادف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع رجله على أحد أصحابه حين نزول الوحي عليه فكان الصحابي يشعر كأنها جبل ، وإن نزل الوحي وهو على دابة كانت تنخ وتئن من ثقله[4104] .

وقد مثلنا للواسطة بين الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية بالتيار الكهربائي حين نوصله بمصباح صغير لا يتحمل قوة التيار ، فيضعون له جهازا ينظم التيار ، ويعطي للمصباح على قدر حاجته وإلا يحترق .

إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ١٤

ثم يقول الحق سبحانه : { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ( 14 ) } .

في الآية قبل السابقة خاطبه ربه : { إني أنا ربك ( 12 ) } ( طه ) ليطمئنه ويؤنسه بأنه المربي العطوف ، يعطي حتى الكافر الذي يعصاه ، لكن هنا يخاطبه بقوله : { إنني أنا الله ( 14 ) } ( طه ) أي : صاحب التكاليف ، والمعبود المطاع في الأمر والنهي ، وأول هذه التكاليف وقمتها ، والينبوع الذي يصدر عنه كل السلوك الإيماني :

{ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ( 14 ) } ( طه ) :

لذلك قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم : ( خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله )[4105] .

وما دام لا إله إلا هو فلا يصح أن نتلقى الأمر والنهي إلا منه ، ولا نعتمد إلا عليه ، ولا يشغل قلوبنا غيره ، وهو سبحانه يريد منا أن نكون وكلاء : { وتوكل على الحي الذي لا يموت ( 58 ) } ( الفرقان )

فالناصح الفطن الذي لا يتوكل على أحد غير الله ، فربما توكلت على أحد غيره ، فأصبحت فلم تجده ، وصدق الشاعر حين قال :

اجعل بربك كل عزك **** يستقر ويثبت

فإذا اعتززت بمن يموت**** فإن عزك ميت

فكأن الحق سبحانه في قوله : { لا إله إلا أنا ( 14 ) } ( طه ) يقول لموسى : لا تخف ، فلن تتلقى أوامر من غيري ، كما قال سبحانه في آية أخرى : { قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ( 42 ) } ( الإسراء ) .

أي : لذهب هؤلاء الذين يدعون الألوهية إلى الله يجادلونه أو يتوددون إليه ، ولم يحدث شيء من هذا .

ويشترط فيمن يعطي الأوامر ويشرع ويقنن ألا ينتفع بشيء من ذلك ، وأن تكون أوامره ونواهيه لمصلحة المأمورين ، ومن هنا يختلف قانون الله عن قانون البشر الذي يدخله الهوى وتخالطه المصالح والأغراض ، فمثلا إن كان المشرع والمقنن من العمال انحاز لهم ورفعهم فوق الرأسماليين ، وإن كان من هؤلاء رفعهم فوق العمال .

وكذلك ألا يغيب عنه شيء يمكن أن يستدرك فيما بعد ، وهذه الشروط لا توجد إلا في التشريع الإلهي . فله سبحانه صفات الكمال قبل أن يخلق الخلق .

لذلك قال بعدها : { فاعبدني ( 14 ) } ( طه ) بطاعة أوامري واجتناب نواهي ، فليس لي هوى فيما آمرك به ، إنما هي مصلحتك وسلامتك .

ومعنى العبادة : الناس يظنون أنها الصلاة والزكاة والصوم والحج ، إنما للعبادة معنى أوسع من ذلك بكثير ، فكل حركة في الحياة تؤدي إلى العبادة ، فهي عبادة كما نقول في القاعدة : كل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

فالصلاة مثلا لا تتم إلا بستر العورة ، وعليك أن تتأمل قطعة القماش هذه التي تستر بها عورتك : كم يد ساهمت فيها منذ كانت بذرة في الأرض ، إلى أن أصبحت قماشا رقيقا يستر عورتك ؟ فكل واحد من هؤلاء كان في عبادة وهو يؤدي مهمته في هذه المسألة .

كذلك رغيف العيش الذي تأكله ، صنبور المياه الذي تتوضأ منه ، كم وراءها من أياد وعمال ومصانع وعلماء وإمكانات جندت لخدمتك ، لتتمكن من أداء حركتك في الحياة ؟

لذلك ، فالحق – تبارك وتعالى – حينما يحدثنا عن الصلاة يوم الجمعة يقول : { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ( 9 ) فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ( 10 ) } ( الجمعة ) .

وهكذا أخرجنا إلى الصلاة من عمل ، وبعد الصلاة أمرنا بالعمل والسعي والانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله ، فمخالفة الأمر في : { فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ( 9 ) } ( الجمعة ) كمخالفة الأمر في : { فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ( 10 ) } ( الجمعة )

وخص البيع هنا ؛ لأن البائع أحرص على بيعه من المشتري على شرائه ، وربما كان من مصلحة المشتري ألا يشتري .

فالإسلام – إذن – لا يعرف التكاسل ، ولا يرضى بالتنبلة والقعود ، ومن أراد السكون فلا ينتفع بحركة متحرك .

وسيدنا عمر – رضي الله عنه – حينما رأى رجلا يقيم بالمسجد لا يفارقه سأل : ومن ينفق عليه ؟ قالوا : أخوه ، قال : أخوه أعبد منه . لماذا ؟ لأنه يسهم في حركة الحياة ويوسع المنفعة على الناس .

إذن : فكل عمل نافع عبادة شريطة أن تتوفر له النية ، فالكافر يعمل وفي نيته أن يرزق نفسه ، فلو فعل المؤمن كذلك ، فما الفرق بينهما ؟ المؤمن يعمل ، نعم ليقوت نفسه ، وأيضا لييسر لإخوانه قوتهم وحركة حياتهم . فسائق التاكسي مثلا إذا عمل بمبلغ يكفيه ، ثم انصرف إلى بيته ، وأوقف سيارته ، فمن للمريض الذي يحتاج من يوصله للطبيب ؟ والبائع لو اكتسب رزقه ثم أغلق دكانه من يبيع للناس ؟

إذن : اعمل لنفسك ، وفي بالك أيضا مصلحة الغير وحاجتهم ، فإن فعلت ذلك فأنت في عبادة ، تعمل على قدر طاقتك ، لا على قدر حاجتك ، ثم تأخذ حاجتك من منتوج الطاقة ، والباقي يرد على الناس إما في صورة صدقة ، وإما بثمن ، وحسبك أن يسرت له السبيل .

إذن : نقول : العبادة كل حركة تؤدي خدمة في الكون نيتك فيها لله .

ثم يقول تعالى : { وأقم الصلاة لذكري ( 14 ) } ( طه ) فلماذا خص الصلاة دون سائر العبادات ؟

قالوا : لأن الصلاة هي العبادة الدائمة التي لا تنحل عن المؤمن ، ما دام فيه نفس ، فالزكاة مثلا تسقط عن الفقير ، والصيام يسقط عن المريض ، والحج يسقط عن غير المستطيع ، أما الصلاة فلا عذر أبدا يبيح تركها ، فتصلي قائما أو قاعدا أو مضطجعا ، فإن لم تستطع تصلي ، ولو إيماء برأسك أو بجفونك ، فإن لم تستطع فحسبك أن تخطرها على قلبك ، ما دام لك وعي ، فهي لا تسقط عنك بحال .

كذلك ، فالصلاة عبادة متكررة : خمس مرات في اليوم والليلة ، لتذكرك باستمرار إن أنستك مشاغل الحياة رب هذه الحياة ، وتعرض نفسك على ربك وخالقك خمس مرات كل يوم . وما بالك بآلة تعرض على صانعها هكذا ، أيمكن أن يحدث بها عطل أو عطب ؟

أما الزكاة فهي كل عام ، أو كل محصول ، والصوم شهر في العام ، والحج مرة في العمر .

لذلك ، كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما حزبه[4106]أمر قام إلى الصلاة[4107]ليعرض نفسه على ربه وخالقه عز وجل ، ونحن نصنع هذا في الصنعة المادية حين نعرض الآلة على صانعها ومهندسها الذي يعرف قانون صيانتها .

وفي الحديث الشريف : ( وجعلت قرة عيني في الصلاة )[4108] .

وسبق أن ذكرنا أن للصلاة أهميتها ؛ لأنها تذكرك بربك كل يوم خمس مرات ، وتذكرك أيضا بنفسك ، وبقدر الله في الآخرين حين ترى الرئيس ومرؤوسه جنبا إلى جنب في صفوف الصلاة ، فإن جئت قبل رئيسك جلست في الصف الأول ، وجلس هو خلفك ، ثم تراه وهو منكسر ذليل لله تعالى ، وهو يعرف أنك تراه على هذه الهيئة فيكون ذلك أدعى لتواضعه معك وعدم تعاليه عليك بعد ذلك .

وكم رأينا من أصحاب مناصب وقيادة يبكون عند الحرم ، ويتعلقون بأستار الكعبة وعند الملتزم ، وهو العظيم الذي يعمل له الناس ألف حساب . ففي الصلاة – إذن – استطراق للعبودية لله تعالى .

لذلك من أخطر ما مني به المسلمون أن تجعل في المسجد أماكن خاصة لنوعية معينة يخلى لها المكان ، ويصاحبها الحرس حتى في بيت الله ، ثم يأتي في آخر الوقت ويجلس في الصف الأول ، وآخر يفرش سجادته ليحجز بها مكانا لحين حضوره ، فيجد المكان خاليا .

وينبغي على عامة المسلمين أن يرفضوا هذا السلوك ، وعليك أن تنحي سجادته جانبا ، وتجلس أنت ، لأن أولوية الجلوس بأولوية الحضور ، فقد صفها الله في المسجد إقبالا عليه . وهذه العادة السيئة توقع صاحبها في كثير من المحظورات ، حيث يتخطى رقاب الناس ، ويميز نفسه عنهم دون حق ، ويحدث انتقاص عبودي في بيت الله .

ولأهمية الصلاة ومكانتها بين العبادات تميزت في فرضها بما يناسب أهميتها ، فكل العبادات فرضت بالوحي إلا الصلاة ، فقد استدعى الحق رسوله الصدق ليبلغه بها مباشرة لأهميتها .

وقد ضربنا لذلك مثلا – ولله المثل الأعلى – بالرئيس إذا أراد أن يبلغ مرؤوسه أمرا يكتب إليه ، فإن كان الأمر مهما اتصل به تليفونيا ، فإن كان أهم استدعاه إليه ليبلغه بنفسه . ولما قربه الله إليه بفرض الصلاة جعل الصلاة تقربا لعباده إلى الله .

وقوله : { وأقم الصلاة لذكري ( 14 ) } ( طه ) : أقام الشيء : جعله قائما على أسس محكمة ، فإقامة الصلاة أن تؤديها محكمة كاملة الأركان غير ناقصة .

{ لذكري ( 14 ) } ( طه ) : أي : لتذكري ؛ لأن دوام ورتابة النعمة قد تنسيك المنعم ، فحين تسمع نداء ( الله أكبر ) ، وترى الناس تهرع إلى بيوت الله لا يشغلهم عنها شاغل تتذكر إن كنت ناسيا ، وينتبه قلبك إن كنت غافلا .

إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ١٥

ثم يقول الحق تبارك وتعالى : { إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ[4109] أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ( 15 ) } .

أي : مع ما سبق وطن نفسك على أن الساعة آتية لا محالة ، والساعة هنا هي عمر الكون كله ، أما أعمار المكين في الكون فمتفاوتة ، كل حسب أجله ، فمن مات فقد قامت قيامته وانتهت المسألة بالنسبة له .

إذن : نقول : الساعة نوعان : ساعة لكل منا ، وهي عمره وأجله الذي لا يعلم متى سيكون ، وساعة للكون كله ، وهي القيامة الكبرى .

فقوله تعالى : { إن الساعة آتية ( 15 ) } ( طه ) أي : اجعل ذلك في بالك دائما ، وما دام الموت سينقلك إليها سريعا فإياك أن تقول : سأموت قريبا ، أما القيامة فبعد آلاف أو ملايين السنين ، لأن الزمن ملغى بعد الموت ، كيف ؟

الزمن لا يضبطه إلا الحدث ، فإن انعدم الحدث فقد انعدم الزمن ، كما يحدث لنا في النوم ، وهل تستطيع أن تحدد الوقت الذي نمته ؟ لذلك قال الحق سبحانه وتعالى : { كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ( 46 ) } ( النازعات ) :

والعبد[4110]الذي أماته الله مائة عام لما بعثه قال : يوما أو بعض يوم ، وكذلك قال أهل الكهف بعد ثلاثمائة سنة وتسع[4111] ، لأن يوما أو بعض يوم هي أقصى ما يمكن تصوره للنائم حين ينام ؛ لذلك نقول : ( من مات فقد قامت قيامته )[4112] .

ومن حكمته سبحانه أن أخفى الساعة ، أخفاها للفرد ، وأخفاها للجميع ، وربما لو عرف الإنسان لقال : أفعل ما أريد ثم أتوب قبل الموت ؛ لذلك أخفاها الحق – تبارك وتعالى – لنكون على حذر أن نلقى الله على حال معصية .

وكذلك أخفى الساعة الكبرى ، حتى لا تأخذ ما ليس لك من خلق الله ، وتنتفع به ظلما وعدوانا ، وتعلم أنك إن سرقت سترجع إلى الله فيحاسبك ، فما دمت سترجع إلى الله فاستقم وعدل من سلوكك ، كما يقول أهل الريف ( ارع مساوي ) .

وقوله تعالى : { آتية ( 15 ) } ( طه ) أي : ليس مأتيا بها ، فهي الآتية ، مع أن الحق تبارك وتعالى – هو الذي سيأتي بها ، لكن المعنى ( آتية ) كأنها منضبطة ( أوتوماتيكيا ) ، فإن جاء وقتها حدثت .

وقوله تعالى : { أكاد أخفيها ( 15 ) } ( طه ) : كاد : أي : قرب مثل : كاد زيد أن يجيء أي : قرب لكنه لم يأت بعد ، فالمراد : أقرب أن أخفيها ، فلا يعلم أحد موعدها ، فإذا ما وقعت فقد عرفناها . كما قال تعالى : { إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو . . ( 187 ) } ( الأعراف ) : وقد تكون { أخفيها ( 15 ) } ( طه ) بمعنى آخر ، فبعض الأفعال الثلاثية تعطى عكس معناها عند تضعيف الحرف الثاني منها ، كما في : مرض أي : أصابه المرض ، ومرضه الطبيب . أي : عالجه وأزال مرضه ، وقشرت الشيء ، أي : جعلت له قشرة ، وقشرت البرتقالة أزلت قشرها .

ومن ذلك قوله تعالى : { تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا ( 85 ) } ( يوسف ) والحرض : هو الهلاك . من : حرض مثل : تعب .

وقوله تعالى : { يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ( 65 ) } ( الأنفال ) :

ومعنى ( حرض ) حثهم على القتال ، الذي يزيل عنهم الهلاك أمام الكفار ؛ لأنهم إن لم يجاهدوا هلكوا ، فحرض : هلك ، وحرض : أزال الهلاك .

وقد يأتي مضاد الفعل بزيادة الهمزة على الفعل مثل : { وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ( 15 ) } ( الجن ) فالقاسط من قسط . أي : الجائر بالكفر .

أما في قوله تعالى : { إن الله يحب المقسطين ( 42 ) } ( المائدة ) : فالمقسط من أقسط : العادل الذي يزيل الجور . وإن كانت المادة واحدة هي ( قسط ) فالمصدر مختلف نقول : قسط قسطا أي : عدل ، وقسط قسطا وقسوطا يعني : جار . فهذه الهمزة في أقسط تسمى ( همزة الإزالة ) .

ومن الفعل الثلاثي قسط يستعمل منها ، القسط والميزان والفرق بين قسط وأقسط : أي : عدل من أول الأمر وبادئ ذي بدء ، إنما أقسط : إذا وجد ظلما فرفعه وأزاله ، فزاد على العدل أن أزال جورا .

وأيضا الفعل ( عجم ) عجم الأمر : أخفاه ، وأعجمه : أزال خفاءه . ومن ذلك كلمة المعجم الذي يزيل خفاء الكلمات ويوضحها .

وكذلك في قوله تعالى : { أكاد أخفيها . . ( 15 ) } ( طه ) : خفى بمعنى : استتر وأخفاها : أزال خفاءها ، ولا يزال خفاء الشيء إلا بإعلانه .

ثم يقول تعالى : { لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ( 15 ) } ( طه ) :

وإلا لو لم يكن في الآخرة حساب وجزاء لكان الذين أسرفوا على أنفسهم وعربدوا في الوجود أكثر حظا من المؤمنين الملتزمين بمنهج الله ، لذلك في نقاشنا مع الشيوعيين قلنا لهم : لقد قتلتم من أدركتموه من أعدائكم من الرأسماليين ، فما بال من مات ولم تدركوه ؟ وكيف يفلت منكم هؤلاء ؟

لقد كان أولى بكم أن تؤمنوا بمكان آخر لا يفلت منه هؤلاء ، وينالون فيه جزاءهم ، إنها الآخرة التي تجزى فيها كل نفس بما تسعى .

فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنۡهَا مَن لَّا يُؤۡمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرۡدَىٰ١٦

ثم يقول الحق سبحانه : { فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى ( 16 ) } .

كأن الحق تبارك وتعالى يعطي لموسى – عليه السلام – مناعة لما سيقوله الكافرون الذين يشككون في الآخرة ويخافون منها ، وغرضهم أن يكون هذا كذبا فليست الآخرة في صالحهم ، ومن حظهم إنكارها .

فإياك أن تصغي إليهم حين يصدونك عنها ، يقولون : { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون ( 16 ) أو آباؤنا الأولون ( 17 ) } ( الصافات ) .

ولماذا يستبعدها هؤلاء ؟ أليس الذي خلقهم من لا شيء بقادر على أن يعيدهم بعد أن صاروا عظاما ؟

والحق سبحانه يقول : { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ( 27 ) } ( الروم )

وهذا قياس على قدر أفهامكم وما تعارفتم عليه من هين وأهون ، أما بالنسبة للحق – تبارك وتعالى – فليس هناك هين وأهون منه ، لأن أمره بين الكاف والنون .

لكن لماذا يصد الكفار عن الآخرة ، والإيمان بها ؟ لأنهم يعلمون أنهم سيجازون بما عملوا ، وهذه مسألة صعبة عليهم ، ومن مصلحتهم أن تكون الآخرة كذبا .

وصدق أبو العلاء المعري حين قال :

زعم المنجم والطبيب كلاهما****لا تحشر الأجساد قلت إليكما

إن صح قولكما فلست بخاسر****أو صح قولي فالخسار عليكما

أي : أن المؤمن بالبعث إن لم يكسب فلن يخسر ، أما أنتم أيها المنكرون فخاسرون .

وقوله تعالى : { فتردى ( 16 ) } ( طه ) أي : تهلك من الردى ، وهو الهلاك .

وهكذا جاء الكلام من الله تعالى لموسى – عليه السلام – أولا : البداية إيمانا بالله وحده لا شريك له ، وهذه القمة الأولى ، ثم جاء بالقمة الأخيرة ، وهي البعث فالأمر – إذن – منه بداية ، وإليه نهاية : { إنني أنا الله لا إله إلا أنا . . ( 14 ) } ( طه ) إلى أن قال : { إن الساعة آتية أكاد أخفيها . . ( 15 ) } ( طه ) .

وَمَا تِلۡكَ بِيَمِينِكَ يَٰمُوسَىٰ١٧

وبعد ذلك شرح لنا الحق – سبحانه – بدء إيحائه لرسوله موسى عليه السلام[4113] .

ما : استفهامية . والتاء بعدها إشارة لشيء مؤنث ، هو الذي يمسكه موسى في يده ، والكاف للخطاب ، كأنه قال له : ما هذا الشيء الذي معك ؟ والجواب عن هذا السؤال يتم بكلمة واحدة : عصا .

أما موسى – عليه السلام – فهو يعرف أن الله تعالى هو الذي يسأل ، ولا يخفى عليه ما في يده ، ولكنه كلام الإيناس ؛ لأن الموقف صعب ، ويريد ربه أن يطمئنه ويؤنسه .

وإذا كان الإيناس من الله ، فعلى العبد أن يستغل هذه الفرصة ويطيل أمد الاستئناس بالله عز وجل ، ولا يقطع مجال الكلام هكذا بكلمة واحدة ؛ لذلك رد موسى عليه السلام :

{ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ( 18 ) } .

قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيۡهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ١٨

قال موسى : { هي عصاي ( 18 ) } ( طه ) ، ثم يفتح لنفسه مجالا آخر للكلام : { أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي ( 18 ) } ( طه ) وهنا يرى موسى أنه تمادى وزاد ، فيحاول الاختصار : { وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ( 18 ) } ( طه ) .

وكان موسى ينتظر سؤالا يقول : وما هذه المآرب ؟ ليطيل أنسه بربه ، وإذا كان الخطاب مع الله فلا ينهيه إلا زاهد في الله .

وللعصا تاريخ طويل مع الإنسان ، فهي لازمة من لوازم التأديب والرياضة ، ولازمة من لوازم الأسفار ، ولها أهميتها في الرعي . . الخ وهنا يذكر موسى – عليه السلام – بعض هذه الفوائد – يقول :

{ أتوكأ عليها ( 18 ) } ( طه ) أي : أعتمد عليها ، وأستند عندما أمشي ، والإنسان يحتاج إلى الاعتماد على عصا عند السير وعند التعب ، لأنه يحتاج إلى طاقتين : طاقة للحركة والمشي ، وطاقة لحمل الجسم والعصا تساعده في حمل ثقل جسمه ، خاصة إن كان متعبا لا تقوى قدماه على حمله .

فقوله : { أتوكأ عليها ( 18 ) } ( طه ) أي : أعتمد عليها حين المشي وحين أقف لرعي الغنم فأستند عليها ، والاتكاء يراوح الإنسان بين قدميه فيريح القدم التي تعبت ، وينتقل من جنب إلى جنب .

والإنسان إذا ما استقر جسمه على شيء لمدة طويلة تنسد مسام الجسم في هذا المكان ، ولا تسمح بإفراز العرق ، فيسبب ذلك ضررا بالغا نراه في المرضى الذين يلازمون الفراش لمدة طويلة ، ويظهر هذا الضرر في صورة قرحة يسمونها " قرحة الفراش " ؛ لذلك ينصح الأطباء هؤلاء المرضى بأن يغيروا من وضعهم ، فلا ينامون على جنب واحد .

لذلك شاءت قدرة الله عز وجل أن يقلب أهل الكهف في نومهم من جنب إلى جنب ، كما قال سبحانه : { ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال . . ( 18 ) } ( الكهف ) .

لذلك إذا وقف الإنسان طويلا ، أو جلس طويلا ولم يجد له متكأ تراه قلقا غير مستقر ، ومن هنا كان المتكأ من مظاهر النعمة والترف في الدنيا وفي الآخرة ، كما قال تعالى في شأن امرأة العزيز : { واعتدت لهن متكأ . . ( 31 ) } ( يوسف ) .

وقال عن نعيم الآخرة : { متكئين على سرر مصفوفة . . ( 20 ) } ( الطور ) .

وقال : { متكئين على فرش بطائنها من استبرق[4114] . . ( 54 ) } ( الرحمن ) .

وقال الحق تبارك وتعالى : { متكئين على رفرف[4115]خضر وعبقري[4116]حسان ( 76 ) } ( الرحمن )

فالاتكاء وسيلة من وسائل الراحة ، وعلى الإنسان أن يغير متكأه من جنب إلى جنب حتى لا يتعرض لما يسمى ب " قرحة الفراش " .

ومن فوائد العصا : { وأهش بها على غنمي . . ( 18 ) } ( طه ) : أي : أضرب بها أوراق الشجر فتتساقط فتأكلها الغنم والماشية ؛ لأن الراعي يمشي بها في الصحراء ، فتأكل من العذي ، وهو النبات الطبيعي الذي لم يزرعه أحد ، ولا يسقيه إلا المطر ، فإن انتهى هذا العشب اتجه الراعي إلى الشجر العالي فيسقط ورقه لتأكله الغنم ، فيحتاج إلى العصا ليؤدي بها هذه المهمة .

إذن : قوله : { أتوكأ عليها . . ( 18 ) } ( طه ) لراحته هو ، و { أهش بها على غنمي . . ( 18 ) } ( طه ) لخدمة الرعية ، وفيها سياسة إدارة الرزق كلها للماشية وللناس ، ورعي الغنم وسياستها تدريب على سياسة الأمة بأسرها ؛ لذلك ما بعث الله من نبي إلا ورعى الغنم ليتعلم من سياسة الماشية سياسة الإنسان .

وفي الحديث الشريف : ( ما بعث الله من نبي إلا ورعى الغنم ، وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة )[4117] .

ولما أحس موسى – عليه السلام – أنه أطال في خطاب ربه عز وجل أجمل فقال : { ولي فيها مآرب أخرى ( 18 ) } ( طه ) أي : منافع .

وقد حاول العلماء[4118]جزاهم الله عنا خيرا البحث في هذه المآرب الأخرى التي لم يذكرها موسى عليه السلام ، فتأملوا حال الرعاة ، وما وظيفة العصا في حياتهم فوجدوا لها منافع أخرى غير ما ذكر .

من هذه المنافع أن الراعي البدائي يضع عصاه على كتفه ويعلق عليها زاده من الطعام والشراب ، وبعض الرعاة يستغل وقته أيضا في الصيد ، فيحتاج إلى أدوات مثل : القوس ، والنبل ، والسهام والمخلاة التي يجمع فيها صيده ، فتراه يضع عصاه على كتفه هكذا بالعرض ، ويعلق عليها هذه الأدوات من الجانبين فإذا ما اشتدت حرارة الشمس ولم يجد ظلالا غرز عصاه في الأرض ، وألقى بثوبه عليها فجعل منها مثل الخيمة أو المظلة تقيه حرارة الجو . فإن احتاج للماء ذهب للبئر ، وربما وجده غائر الماء لا يبلغه الدلو فيحتاج للعصا يربطها ويطيل بها الحبل ، إلى غير ذلك من المنافع .

وبعض العلماء يقولون : لقد كان موسى عليه السلام ينتظر أن يسأله ربه عن هذه المآرب ليطيل الحديث معه ، لكن الحق سبحانه لم يسأله عن ذلك ؛ لأنه سينقله إلى شيء أهم من مسألة العصا ، فما ذكرته يا موسى مهمة العصا معك ، أما أنا فأريد أن أخبرك بمهمتها معي :

قَالَ أَلۡقِهَا يَٰمُوسَىٰ١٩

ثم يقول الحق سبحانه : { قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى ( 19 ) } .

ارم بها على الأرض ، وهو هنا إلقاء الدربة والتمرين على لقاء فرعون ، وهنا خرجت العصا عن ناموسها الذي يعلمه موسى عليه السلام ، فلم تعد للتوكؤ والهش على الغنم ، ولكنها تنتقل من جنس الخشب إلى جنس الحيوان فتصير حية ، قال الحق سبحانه : { فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ( 20 ) } .

فَأَلۡقَىٰهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٞ تَسۡعَىٰ٢٠

وهذه نقلة كبيرة في مسألة العصا ، فقد كان في الإمكان لإثبات المعجزة أن تتحول العصا ، وهي عود جاف من الخشب إلى شجرة خضراء ، لكن الحق – تبارك وتعالى – يجري لموسى هذه المعجزة ؛ لأنه سيحتاج إليها فيما بعد ، ولو تحولت العصا إلى شجرة خضراء فسوف تستقر في مكانها ، أما حين تتحول إلى حية فهي حيوان متحرك ، تجري هنا وهناك ، وهذا ما سيحتاجه موسى في معركته القادمة .

ألقى موسى عصاه { فإذا هي . . ( 20 ) } ( طه ) : إذا هنا فجائية كما تقول : خرجت فإذا أسد بالباب . وحينما ألقى موسى العصا سرعان ما تحولت وهي جافة يابسة إلى حية ، وحية تسعى ليست جامدة ميتة ، أليست هذه مفاجأة ؟

وطبيعي أن يخاف موسى – عليه السلام – مما رآه ، فطمأنه ربه فقال : { قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى ( 21 ) } .